روضة أثرٌ لا يموت / علاء حليحل

24 يناير 2014
ندوة لمجموعة شبابية في جمعية الثقافة العربية عام 2006. من اليمين: سامي أبو شحادة، مهند مصطفى، علاء حليحل، أمير مخول وروضة بشارة عطالله.

ندوةٌ لمجموعةٍ شبابيّة في جمعيّة الثّقافة العربيّة عام 2006. من اليمين: سامي أبو شحادة، مهنّد مصطفى، علاء حليحل، أمير مخّول وروضة بشارة – عطا الله.

.

|علاء حليحل|

خجلتُ من انهيار جسدها وضعفه، تمامًا كما أتخيّل أنّها فعلت هي جرّاء هذا الانهيار. ورغم أنّني رتّبت أن أزورها قبل أشهر، إلّا أنّني لم أفعل. وقبل يومٍ من وفاتها، وقفتُ أمام مدخل غرفتها في المستشفى في حيفا لكنّني لم أدخل لرؤيتها. لماذا أدخل لرؤية امرأةٍ قويّةٍ حديديّةٍ وهي ذائبة؟ أليس هذا قتلًا ثانيًا لها؟ البشر مثل روضة لا يُزارون حين يمرضون، لأنّ الخجل أكبر من أن تعترف النّظرات بأنّ السّرطان نجح أخيرًا في هزمها. هذا أفظع ما في هذا المرض اللّعين. أنّه يهزم من لا يُهزَمون. وأنا لم أرغب للحظةٍ بأن أكون شريكًا في احتفاليّته هذه. فليرقص على جثثنا وحدَه.

كنتُ أحبّ أن أناديها “دكتورة!” بأعلى صوتي عند دخولي جمعيّة الثّقافة العربيّة في النّاصرة، وهي تردّ الرّدّ نفسه مرّةً بعد مرّة: “ما أزنخك!”. ثمّ تقبّلني كأمٍّ أو أختٍ كبيرةٍ وتبدأ رأسًا بالحديث عن المشاريع. سيكتبون الكثير عن أنّها زُمبَركٌ لا يهدأ، وطاقةٌ لا تنضب، وسيحكون كيف كنّا نسمّيها “البلدوزر”. وهذا كلّه صحيح. وسيكتبون عن التزامها وعُمق انتمائها وحبّها للبلد (فلسطين)، وصدق رغبتها في الدّفع بأقصى ما قدرت من أجلنا جميعًا. وهذا كلّه صحيحٌ أيضًا. ولكن من سيكتب عن لحظة الانكسار بعد المرض؟ من سيجرؤ على نبش الجرح واستعادة تلك اللّحظة المهينة، حين اكتشفت أنّ أطنان الطّاقة والعمل والإخلاص لا تستطيع قتل بعض الخلايا الخبيثة الّتي تتكاثر في الجسد؟ إنّها الإهانة، أقسى من أيّ شيء. أنا أشعر بالمهانة تمامًا كما أشعر بالحزن. أبصق عجزي إلى أسفل وإلى أعلى وإلى كلّ اتجاه. أشعر بأنّ شخصًا ما داس على رأسي وقلبي وكبريائي. إذا كانت روضة الجبّارة قد هُزمت، فماذا سنفعل غدًا بكلّ هذا اليأس والإحباط؟

في أزمةٍ قديمةٍ بيني وبين الحزب (التّجمّع) اتّصلتْ وعلا صراخنا لساعة. كان الغضب يملؤني وكان الحبّ يملؤها. ثمّ شعرتُ بغصّةٍ في صوتها حين شتمتُ أكثر من اللّازم. لم أشتمها، بل شتمتُ الحزب ومن تُحبّ. انتهت المحادثة لتتجدّد بعد سنةٍ وأكثر. كنتُ ما أزال غاضبًا، وكانت ما تزال تحبّني. كنتُ دائمًا سعيدًا بأنّ روضة تحبّني (وتحبّ أخي عامر أكثر مني قليلًا، كما كانت تمازحني مرارًا، وتضحك). الشّعور بأنّ أختًا كبيرةً تحبّك، وتغفر لكَ وتسعى من أجلك، شعورٌ لا يضاهيه شعور. المئات من الحزب والجمعيّة ومن الوسط الثّقافيّ كانوا يرون فيها أختًا وأمًّا، وأحيانًا شخصًا صارمًا لا يرحم. كنّا نتندّر وقت التّدخين على الشّرفة ونتمازح بشأن شِدّتها وصرامتها واستحالة العيش مع وتيرة حياتها وعملها. كنّا نضحك ونبتسم ابتسامة الأطفال الّذين ارتكبوا ذنبًا لكنّهم متأكّدون من أنّهم لن يلقوا أيّ عقاب، لأنّ أمّهم تحبّهم أكثر من اللّازم.

روضة لا تتكرّر. هذا ليس تعدادًا للمناقب يستحضره رثاءٌ مليءٌ بالكليشيهات. قامة روضة أطول وأكبر من أيّ كليشيه. مرأةٌ بحجم الحياة، أمسكت بتلابيبها وأجبرتها على الرّقص وفق إيقاعها. أنا متأكّدٌ من أنّ الحياة الّتي أجبرتها روضة على اللّهاث بلا توقّف قد تآمرت مع الموت على قتلها. ولمَ لا؟ أليست الحياة نذلةٌ كما الموت تمامًا؟ ألم تعش روضة (وعشنا معها) في بيئةٍ تمتهن البطء والتّأخير والمماطلة؟ ألسنا مجتمع الأعراس والأرجيلة والسّتاتوسات الجوفاء، وهي امرأة العمل والكدّ والسّعي اللّانهائيّ؟ حتّى هذا لم يُحبطها. أصرّت على رؤية الأجمل دائمًا، وأصرّت على اللّحاق دومًا بكلّ أخضر يانع. ثمّ ذبلتْ. كم مهينٍ أن تذبل امرأةٌ كروضة، وكم مهينٍ أن نقف عاجزين عن أيّ شيءٍ سوى طأطأة الرّأس والتّمتمة ببعض كلماتٍ رتيبةٍ باهتة!

في 26 كانون الأوّل اختلط الموت بالحياة: في هذا اليوم رُزقنا بمحمود، أخًا لشذا، وكنت أعلم أنّ روضة في الطّابق التّاسع من المستشفى نفسه، فوقنا بطابقٍ واحدٍ فقط. لم أملك الجرأة لزيارتها إلّا عند مرور إياد وحبيب، فانضممتُ محتميًا بهما. شعرتُ بأنّ شيئًا ليس على ما يُرام: كيف أصعد إلى فوق وأقف مع المقرّبين منها، وأنا أحمل رائحة الولادة وفرح الطّفولة في عينيّ؟ ألن تكون هذه وقاحة، حين يعلم الواقفون أنّني رُزقت بابنٍ للتّوّ وسيضطّرون للمجاملة وإلقاء التّهاني، وروضة بقربنا تموت؟ في ليلة 29 اختلط فرحنا بالحمّام الأوّل لمحمود في البيت بخبر وفاتها. كم كانت تحبّ شذا ابنتي وتسعى لرؤيتها، وكم كنّا بخلاء معها. غدًا، حين تعود شذا من الرّوضة، سأجلسها في حضني وسأريها صورة روضة في المواقع الإخباريّة وسأحكي لها عنها. وسأطلب منها أن تكون قويّةً مثل روضة، ومُحبّةً مثلها. يجب أن تكون قويّةً مثلها، فإلّا فماذا سنفعل بكلّ هذا الخمول الّذي يلفّ معظمنا؟

الآن لن يفيد شيء. الموت هو الموت، والولادة بداية النّهاية. وبين هذه وتلك تلفّنا الدّنيا سجائرَ وتدخننا على مهل. وبين سحائب الدّخان نتمنّى لو أنّنا نعيش أكثرَ قليلًا كي ننسى الرّماد الّذي في المنفضة، والحزن الّذي في نهاية السّيجارة. كم نخاف انقضاء أثرنا، كما نخاف على أثرنا من الضّياع.

لكنّ روضة أثرٌ لا يموت.

روضة أثرٌ لا يموت.

(29-12-2013)

(علاء حليحل: أديبٌ فلسطينيٌّ يقيم في عكّا؛ يرأس تحرير موقع “قدّيتا” الثّقافيّ).

0 تعليق على “روضة أثرٌ لا يموت / علاء حليحل”

أضف تعليق