غابت روضة، لكنّ إرثها باقٍ / سوسن أصفري

22 يناير 2014
0DSC_7717

الطّلّاب الحاصلون على منح جمعيّة الثّقافة العربيّة (2010/ 2011)، تتوسّطهم د. روضة بشارة – عطا الله.

| سوسن أصفري |

إنّ فقدان مؤسّسة الجليل لروضة ولي شخصيًّا هو فقدانٌ صعبٌ جدًا. عندما أُنْشِأَتْ مؤسّسة الجليل عام 2007 بهدف دعم المجتمع الفلسطينيّ في الدّاخل، كان أوّل مشروعٍ لدينا برنامج المنح الدّراسيّة. كان هدفنا توفير أكبر عددٍ من المنح الدّراسيّة للطّلّاب الجامعيّين مكّنتنا منه ميزانيّتنا، لكنّ الشّراكة مع جمعيّة الثّقافة العربيّة في هذا المشروع أعطاه بعدًا جديدًا، وجعله برنامجًا ذا مضمونٍ أغنى بكثير، وتحوّل المشروع بقيادة روضة إلى مشروعٍ يدفع الطّلّاب نحو العطاء لمجتمعهم، ولم يقتصر فقط على التّعليم، بل أصبح يهدف إلى تعزيز الهويّة، واللّغة، والثّقافة الفلسطينيّة، الّتي يجري العمل على محوها يوميًّا.

لقد وفّرت أنشطة برنامج المنح، ومنها رِحَلُ التّعرّف على الجذور والقرى، وتاريخ فلسطين، الفرصة للعديد من الشّبّان والشّابّات للتعرّف إلى جذورهم، ولأن يكونوا فخورين بتاريخهم وهويّتهم. لقد تمسّكت روضة بكلّ ما يتعلّق بالحفاظ على اللّغة، والهويّة العربيّة والفلسطينيّة، وهي لم تَقُدِ المشروع فقط، بل تابعت كلّ طالبٍ وطالبة، وكانت على درايةٍ بأدقّ تفاصيل ظروفهم، واهتمّت بأن يُحَقّقَ كلٌّ منهم نجاحه من خلال المشروع.

لا تُقَدّرُ تجربة العمل مع روضة بثمن. تفانينها، ومثابرتها، وإصرارها على الاستمرار في العمل في أصعب الظّروف كانت مثيرةً للإعجاب والتّقدير حقًّا، وإن كانت في أحيان عديدةٍ تستنفد نفسها، إلّا أنّ ذلك، وإن دلّ على شيء، فإنّه يدلّ على طبيعة والتزام شخصها: ملتزمةٌ كلُّها لشعبها، لقضيّتها وعملها.

كانت روضة فخورةً بعملها، ولها كامل الحقّ في ذلك، فقد تمكّنت من جعل جمعيّة الثّقافة العربيّة مؤسّسةً مركزيّةً تخدم المجتمع الفلسطينيّ، مؤسّسةً بادرت لعدّة مشاريع من أجل تمكين وتعزيز الجيل النّاشئ في المنطقة.

 كان أحد أحلامها تأسيس مركزٍ يحوي جمعيّة الثّقافة العربيّة في حيفا، مركزٍ يشمل مرافقَ حديثةً، ويشكّل عنوانًا ثقافيًّا للمجتمع الفلسطينيّ في الدّاخل؛ لكن، ولسوء الحظّ، لم تَعِشْ كي تُشْرِفَ على تحقيق ذلك، وكلّي أملٌ بأن يمضي مشروع تأسيس هذا المركز قدمًا، تكريمًا لذكراها ومثابرتها.

لقد سنحت لي فرصة زيارتها في المستشفى خلال الأسابيع الأخيرة من حياتها، واستغربت من أنّها كانت، رغم هشاشتها وألمها الشّديدين، لا تزال تحاول العمل وتحديد مواعيد مع المصمّمين والمهندسين المعمارييّن، وتوجيه فريق العمل في جمعيّة الثّقافة العربيّة من أجل دفع العمل على مشروع المركز. وعندما كنّا نقترح عليها الرّاحة، كانت تقول إنّ عملها هو الّذي يجعلها تستمرّ، ويساعد في تخفيف أوجاعها اليوميّة.

لقد جمعت شخصيّة روضة صفات القيادة، والكاريزما، والرّؤيا الواضحة، وكانت في الوقت نفسه مليئةً بالدّفء والحنان والعطف، ما جعل أثرها بالغًا في قلوب العديد ممّن قابلتهم، عملت معهم وأثّرت في حياتهم. عندما زرت حيفا غمرتني ردود أفعال النّاس ومشاعرهم تجاهها، كان ذلك شعورًا صادقًا بالحبّ والتّقدير.

إنّني أومن حقًا بأنّ إرث روضة ومشروعها سيستمرّان في الحياة، لأنّها تمكّنت، كونها قائدةً ومعلّمةً عظيمة، من غرس أخلاقيّات العمل الحثيث والمثابرة المطلوبة للاستمرار بالعمل على مشروعٍ يخدم مجتمعًا كاملًا وجيلًا شابًّا. إنّ استمرار ونجاح جمعيّة الثّقافة العربيّة سوف يشهدان على عملها المتفاني.

وأخيرًا، ومهما قلت، فإنّ كلماتي لن تُنْصِفَ امرأةً مثل روضة، تجاوز التزامها وتفانيها لعملها حدّ الوصف، ولن تعطيها حقّها.

روضة، سنفتقدك أنا وزملائي كثيرًا.

لترقد روحك بسلام.

(سوسن أصفري: المديرة التنفيذيّة لمؤسّسة الجليل – بريطانيا).

menah 2010

صورٌ مختارةٌ من مختلف حفلات توزيع المنح الدّراسيّة على الطّلاب العرب.

l menah

صورٌ مختارةٌ من مختلف حفلات توزيع المنح الدّراسيّة على الطّلاب العرب.

l menah1

صورٌ مختارةٌ من مختلف حفلات توزيع المنح الدّراسيّة على الطّلاب العرب.

0 تعليق على “غابت روضة، لكنّ إرثها باقٍ / سوسن أصفري”

أضف تعليق