مقصّ وتُفاح/ لنا عدوان

24 يونيو 2012

(مقالة إسماعيل ناشف النقدية في الأسفل)

|لنا عدوان|

مِـــقَــصّ

أصابعُ الرَّبِّ

تحيكُ فوقَ رؤوسِنا

نسيجًا قاتمًا

بسوادِ الحكاياتِ والأطيافْ.

.

فقطْ حينَ أكبُر،

سأجدُ المقصَّ القادر

على قصِّ وتمزيق

كلّ هذه الأليافْ.

.

تُـــفّـــاح

حين التهمتُ التّفاحةَ الحمراء

لم أكن أدري بعد

أنّك تسلّلتَ البارحة إلى مطبخي

ودفنتَ ذراعك في أحشائها.

.

هي ذات الذّراع الّتي

حطّت بقوّة

ليلة البارحة

على خدّي.

.

خدّي كما التّفاحة،

لا يزال أحمر.

.

التّفاح السّمين

مثلك تمامًا،

لا يُسكِت الجوع

ولا يجلب سوى أوجاع البطن.

.

ذراعكَ

الّتي لم تعتد الخنوع

لا تكلُّ عن لكمِ معدتي.

.

أحشرُ إصبعي

في حنجرتي

وأتقيّؤكَ.

 .

بيت لنا/ إسماعيل ناشف

1

إسماعيل ناشف

يأتي سياق هذا المقال كحوار نقدي مع قصيدتين للشاعرة لنا عدوان: “مقص” و”تفاح”. وسأقوم فيما سيلي بفتح باب المقاربة حول النصين لأشكل نصا ثالثاً يبني معهما ولكنه بذات الوقت ينفصل عنهما بحكم أن مبدأه الناظم قائم بذاته، لا يُختزل إلى النصوص الأولى. وأرى أن اللُبس القائم لدى البعض من الخاصة والبعض من العامة يُلزِم الخوض ببعض الملامح العامة لما هو نقد. إن النقد نوع، وليس هامشاً على متن ما مسبق عليه زماناً، مكاناً، أو تشكيلاً. ويبدو أن الرأي الرجعي، من حيث اقتصاده السياسي الذي يفضل نوعاً على نوع كتعبير عن أخلاقية أولية، يتوقع أن يعمل النص النقديّ كمرشد سياحي للقارئ/ة في تجواله المبتذل في فضاء النص الشعري أو الأدبي أو الفني. إن النقد منهج في التشكيل المعرفي الجمالي، ينتظم بحسب عدة ضوابط منها مادة تشكيل النص المُقارَب. وهي مادة تشكيل، وليست طوبوغرافيا جاهزة للاستعمال الاستهلاكي المباشر، بهذا فالنقد ليس بميزان أخلاقي في حالة من الانزياح الأدبي. إن النقد هو إعلان موت الأخلاق النهائي، إذ لا رب في النقد.

سأميز بين ثلاث لحظات أساسية في النقد والتي من خلالها سأحاول مقاربة “مقص” وـ”تفاح”، وهي: رعشة الالتقاء، المساكنة، والهندسة المعمارية بأثر رجعي. هذه اللحظات تنتظم في بناء قد يبدأ من مادة تشكيل النص المُقارَب، وقد تنتهي بإطلالة تكشف لنا الواقع الاجتماعي التاريخي، إلا أن هذا البدء وهذه النهاية ليسا شرطان ضروريين للعملية وإنما إمكانية من عدة مسارات قد تتخذها عملية النقد في تشكلها المتدفق. الالتصاق بالبداية المادية للنقد، دون الوعي به، يؤدي أحياناً إلى صنمية النحو والصرف النظامية كضابط أولي ونهائي، أما الالتصاق في الإطلالة الاجتماعية التاريخية يؤدي إلى عمىً لا يرى الوجود بما هو تشكيل معرفي جمالي. كانت، ولا تزال، الحركة غير المنمطة، وإنما المُبدعة، بين هذه المحطات في المنهج النقدي الركن الأساس في الجسد النقدي العربي، خاصة، والعالمي، عامة.

هنالك لحظات التقاء تبني لما بعدها وتحدده، وأخريات موات لا يولدن حتى ما يسد رمق الناظر. رعشة لحظة الانشباك الأولى مع النص الجميل تقارب رجفة الموت الصغير، وهي بذلك تستدعي الرب والمتعة معاً. وعلى النقد أن يبدأ من هذه الرعشة بما هي طاقة المتعة الأولى ليأخذ من ثم وظيفة الرب جزئياً، أي أن قابلية الانفعال يجب أن تتجسد ببنية النص كما ببنية أدوات الناقد/ة،  وهي أدوات نصية بأساسها. ويحضر تاريخ مؤلف النص، كما تاريخ أدوات النقد، في تاريخية شكل كل منهما على حدة، ومن ثم في أشكال انشباكهما الممكنة.

لحظة النقد الثانية هي فعل المساكنة، أي أن تسكن في بيت العمل لتتطور علاقة من الألفة والحميمية بين الناقد وأجزاء ومفاصل العمل كما العمل في مجمله. على هذا النوع من السكن المشترك ألا يخضع لشروط مسبقة عدا شروط اللقاء النابعة من بنية النص وبنية النقد المحمول في شخص الناقد. ومن هنا، فهذا النوع من البين-ذاتية intersubjectivity، بين المؤلف النص والناقد يصبح علامة سيميائية قائمة علائقياً من الممكن تمييزها وهي غير قابلة للاختزال لما يبدو عناصرها الثلاثة الأولى. وهذه العلامة تكون قابلة للاتصال وإن ليس ضرورة أن تتشكل نصاً/بلاغاً عينياً.

لحظة النقد الثالثة، هي تلك التي يعمل فيها النقد كجهاز تشكيل معرفي جمالي يتجسد ببلاغ و/أو نص. ومن هنا نرى أن في هذه اللحظة هنالك درجة عالية من الحرفية والصنعة. والناقد هنا كالمهندس المعماري بأثر رجعي، فبينما المهندس يضع الخارطة/التصميم قبل تنفيذ البناء لتتم عملية بناءه بحسبها، يبدأ الناقد عمله بعد أن يتم تجهيز المعمار النصي وتداوله، ليسعى إلى استخلاص خارطة/تصميم بنيته. بهذا فمن الممكن القول بأنه أقرب إلى عالم الآثار، إلا أنه يعمل تحت أفق مستقبلي، أي إضافة إلى عملية الاستخلاص هذه فهو يبحث في نبوءات نصية تستشرف المستقبل وإلى حد ما تصيغه باستشرافها هذا. هذه لحظة انفصال عن النص المُقارَب وبناء ما هو مادة تشكيل النص المُقارِب ومحاولة تجسيدها بلاغاً. هذا البلاغ المعرفي الجمالي لا يمكن حصره مسبقاً بقالب أو نوع أو حتى مضمون. إنه بلاغ يقف عل تخوم الآن ليستشرف عبر الحمولة المعرفية الجمالية ذلك الأفضل إنسانياً والقابع في ثنايا مستقبل لم يأت بعد.

ونصيّ لنا عدوان “مقص” و”تفاح” تحملان لحظة الرعشة الشعرية كما بنية متينة بحركتها المتدفقة تستدعي المساكنة التفصيلية لتصعد من ثم العين إلا البنية العامة في اللحظة الثالثة من النقد. وأرى أن الاختلاف بين نوعي الحمولة في كل نص منها يطلب مني أن أتطرق بداية لكل قصيدة على حدة. فبينما يتسم “مقص” بكونه ينتشل لحظة صورية جد مكثفة تقارب فرن العلاقة التاريخية بين السيد وعبده، يتشكل “تفاح” على ساحة حرب طاحنة لا تُبقي ولا تَذر، قاعدتها صراع على إرادة الجسد الراغبة في انعتاقها الفوريّ.

.

2

تتميز “مقص” بمجموعة من الكلمات المتداولة، أي لن تجد فيها الغريب والشاذ، منها: أصابع، الرب، تحيك، مقص، قادر، أكبر، ألياف. هذه الكلمات المتداولة تتميز بكونها ذات طيف هادئ: فعوضاً عن “مقص” كان بالإمكان اختيار سكين، أو إحدى تحويراتها، فالمقص بما هو أداة تشكيل يقطع ويفصل كجزء من وظائفه كأداة عمل، وهو بهذا يعتبر “أرقى” اجتماعياً من السكين. هذا النمط ينطبق على مجمل المفردات في القصيدة ولعل أبرزها “الرب” والتي حلت محل “الله”. وعليه من الممكن بناء الجدول التالي الذي يبرز عبر المقارنة يومية المفردة وقربها إلى الحيز الاجتماعي الحميمي:

مفردات القصيدة

مفردات خلفية/علائقية

مقص

سكين

أصابع

يد

رب

الله

تحيك فوق

تخلق

رؤوسنا

أجسامنا

نسيج

جدار

الأطياف

الأشياء

فقط

كل الوقت

حين أكبر

كبير

سأجد

لدي

قادر

فاعل

قص

تفجير

ألياف

إسمنت

المستوى الثاني للقصيدة هو الفاعل وما يقوم، أو سيقوم به، أي أن المفردات تجتمع حول فاعلين أساسين هما: الرب وأنا. الرب في خضم فعله يمارسه لتجدد ربوبيته، بينما أنا هي حالة من الكمون التي لم تحصل بعد. ومن الملفت للنظر، أن تصغير الله إلى رب أدى إلى استخدام فعل “حاك”، ونتيجته نسيج، ليجرّس من ثم مع السواد، ليعود في ترجيع صوتي-معنى في “الحكايات”، أي أن الرداء حكاية، كما الحكاية في مخارج ألفاظها نسيج فعليّ للمعنى. هنا تأتي “أطياف” كقفلة وسطى، أي للبيت الأول من القصيدة، فهي تربط بين المستويات الثلاث من فعل الربوبية: الفاعل، المفعول به، والنتيجة الحاصلة. فالرب طيف، أي أبداً لا نراه هو، فقط أثره هو الذي يَبان لنا. أما الموقع فوق الرأس فالمشاهد العادي لا يراه بل على الأغلب يرى سقوط ظله طيفه على الأرض. لنرى من ثم أن النسيج/الحكاية هي بعلاقتها مع الجسد/الواقع تشبه علاقة الشيء بطيفه، فالطيف هو رداء يحكي ملامح الشيء في في حضوره كما في غيابه. من هنا، فإن “أطياف” مسكت بنية عناصر الشطر/ البيت الأول من القصيدة وصقلتها بدرجة عالية من المتانة الرشيقة.

أما الفاعل الثاني “أنا”، فكما ذكرت أعلاه، فهو يُعرّف من خلال كمونه، وليس من خلال فعله، وإن كان الكمون في عُرف البعض شكل من أشكال الفعل، أيضاً. يأتي الكمون هنا بدرجتين من الإزاحة: الأولى، “فقط حين أكبر”، وتبرز هنا القسوة في التعامل مع أناي حيث لا أُبقي لها من مخرج سوى أن أكبر. أما الإزاحة الثانية من الأنا فهي بأني “سأجد المقص القادر”، أي أن “الأنا” بما هي كذلك لا تكفي بحد ذاتها وإنما هي بحاجة للبحث عن أداة قادرة على القيام بالفعل ذاته “قص وتمزيق”. والقص يتناص مضموناً مع الحياكة ولكنه ينزاح عنها بدرجتين، الأولى من حيث الجرس الموسيقي، والثانية من حيث الخروج إلى حيز تشكيل تاريخيّ (مقارنة مع أسطوريّة الحياكة)، هذا مما يحتم استحضار “تمزيق” بمستوى تناظر البنية الصوتية “قص” وـ”مزّق”، من جانب، والصعود بمستوى حدة الفعل، التمزيق أعلى درجة في الحدة من القص. والحركة التي تغلق القصيدة ككل هي “كل هذه الألياف”، والألياف كما نعرف قائمة أبداً لغير ذاتها، أي هي عناصر في تشكيل ما لا أهمية لها إلا في عملها ككل متماسك، أي نسيج ما، وهي بهذا لا تتحاور مع القفلة الوسطى “أطياف” جرساً فقط، بل ببنية المعنى العلائقية بين الشيء وطيفه وبين الشيء بعد فحصه وأليافه.

من هنا من الممكن مناظرة بنية الفاعلين، الرب وأنا، كما فعليهما، الحياكة والقص، وكأنها أعمدة تتقابل في رفع قاعدة البيت العام للقصيدة، وذلك على النحو التالي:

الرب والحياكة

أنا والقص

أصابع الرب

فقط حين أكبر

تحيك فوق رؤوسنا

سأجد المقص القادر

نسيجاً قاتماً

على قص وتمزيق

بسواد الحكايات والأطياف

كل هذه الألياف

لغاية الآن تحدثنا عن مستويين من عملية إنشاء بيت “مقص” وهي المفردات وما تقوله، بما هي مادة أولية، ومن ثم انتقلنا إلى نحوية ربط هذه العناصر الأولى على شكل جمل هي لبنات بناء تقوم على فاعل وفعله، وتبين لنا أن هنالك فاعلين وفعل لكل منهما. ومن الملفت للنظر، أن هنالك حركة ذات بنية مزدوجة تربط اللفظ والمعنى معاً لتخلق التناظر بمستوى الجمل/الأعمدة، مثل تحيك النسيج/الحكاية: تقص الألياف/القصة، هذه المعمارية هي من صلب التشكيل اللغوي العربي وهي ترد إلى مدرسة الخليل حيث تم تحديد المعاني بحسب مخارج الألفاظ. إلا أنه وبتحويرها في لحظة “مقص” تتوازى بعد أن كانت تتراتب، وهذه حركة البصر باتجاه العين، أو، إن شئت، ارتداد الضوء على الشمس. وهنا نصل إلى المستوى الثالث من البناء المعماري لـ”مقص”، وهو جناحيها، أو قطبيها الأساسين.

في هذا المستوى منها فإن “مقص” تتسم ببنية ثنائية للوهلة الأولى لا يلتقي شقيها إلا عبر وسيط ما. فالرب سماوي وأنا أرضي، من جانب، والسماوي صفاته أسطورية معطاة عابرة للزمن ولا تتغير، كما الحياكة والحكاية، بينما الأرضي صفاته تاريخية تُكتسب عبر العمل في الزمن، كما القص والمقص الأداة. تستنطق هذه الثنائية وجودين لا يلتقيان إلا تقابلاً عكسياً بما هما نقيضان، ففي حال نزعنا ما رماه وفرضه الرب على الأنا، أي ننزع الرداء الحكاية عن الجسد التاريخ، فسنقف أمام بنية علوي/سفلي، أي بنية علاقة قوى بامتياز، لا يمكن لها أن تُحل إلا بعنف العمل. والسؤال كيف نفهم العمل؟ لنلخص هذه الطبقة من معمارية “مقص” بالجدول التالي:

الرب

أنا

سماوي/مطلق

أرضي/مفتوح

علوي

سفلي

إن ثنائية العلوي/السفلي تؤدي إلى معمارية علاقة قوى من نوع جد محدد، ناتج عن بنية اجتماعية اقتصادية ذات تاريخ عيني. فالرب التوحيدي، لكي يكون كذلك، لا يعمل لكي يمارس ربوبيته، حيث وجوده السماوي هو شرط كاف لامتداد حضوره عبر الزمان والمكان. ومن هنا تنبع صفات مثل الأزلية والخلود وما إلى ذلك، إلا أن هذا الشكل من الوجود، الحضور المطلق، لا يكون لمن هو دونه في منظومته، أي الأنا الإنسانية على الأرض، إلا قمعاً. هذا لا ينتج من كون الربوبية قابلة للقياس أخلاقياً، أي هل هي حسنة أم سيئة، للأنا؟ وإنما لكي يتشكل الرب رباً، أي حضور مطلق، لا يوجد شيء في السوى سواه، عليه ضرورة أن ينفي كل امكانية نفي مطلق حضوره، أي أن يمارس القمع ليجسد ربوبيته. وما يقابل القمع هو، في عُرف “مقص”، العمل وتركيمه كأدوات، وهذه المقابلة بحاجة إلى توضيح. إن محورة الحركة الشعرية حول الأداة المقص لم يأت فقط بسبب الوظيفة التي سيقوم بها، بل يبدو أن المفصل هنا في أن المقص هو أداة عمل بنتها الأنا عبر سعيها في إنتاج الحياة. ومن هنا يصبح العمل المُنتج القطب النافي لقمع الرب.

الرب

أنا

حضور مطلق

حضور نسبيّ

قمع

عمل

بالرغم من الإعلانات المختلفة عن موتها، إلا أن هذه البنية من العلاقات المعمارية بين السماوي القامع والأرضي العامل لا تزال من أهم المفاصل التي تُدار من خلالها آليات القمع والعمل السائدة. ومن هنا، نرى آنية وكونية شاعرية “مِقص”، والتي تتناص مع النص التوحيديّ، من خلال قلبه رأساً على عقب. إن الدعوة الشعرية المبطنة في العمل، لا تزال، الأفق الأجدى والأجمل لكل ثورة، أياً كان الرب فيها وأياً كانت العاملة عليها.

.

3

لا رب في “تفاح”، بل بالكاد حيوان شرس ذو ذراع قوية وطويلة.

“تفاح” تتشكل من حلبة واحدة تتم عليها دراما شعرية ذات طابع ملحمي، وإن كان مينورياً، إلى حد كبير. ولنحدد إحداثيات الحلبة الملحمية بداية من خلال الفاعلين/الأسماء ومن ثم الأفعال التي تتصل بكل فاعل اسم منها. أولاً، هنالك التفاحة الحمراء والسمينة، وهي بعكس ما قد يبدو تحمل في أحشائها ما قد يقلب معنى التفاح، أي التفاحة تشبه حصان طروادة. ثانياً، الذراع والتي تعمل كجزء يدل على كل، أنتَ القريب المخادع الذي يتحول إلى بعيد قامع، من خلال ضمير الملكية للمخاطب، أي ذراعك. ثالثاً، أنا الراوية والتي أحضر من خلال أعضاء جسمي وإرادتي عبر ضمير المتكلمة، مثل التهمت. نجمل فنقول أن الدراما تتشكل من أنا، وأنتَ، والتفاحة. بناء على ذلك من الممكن أن نعيد ترتيب القصيدة بالشكل التالي:

أنا

أنت

التفاحة

التهمت/مطبخي

ذراعك

أحشائها

خدي

ذات الذراع

قوة (حدة الإغراء الكامنة في التفاح)

خدي

(ضرب)

أحمر

أوجاع البطن

تسبب

السمين

معدتي

ذراعك

لَكْم

أحشر/إصبعي

في معدتي/بطني

في معدتي/بطني

أما بالنسبة للأفعال فمن الممكن ترتيبها على الشكل التالي: الراوية/الأنا تبدأ بالالتهام لتقع في مصيدة تحتم عليها أن تكون مفعولة بها بخطوتين، ملطومة وملكومة، لتأتي الخطوة الرابعة بحل يوازي الالتهام عكساً في الاتجاه ومتساوياً في القوة، التقيؤ. أما بالنسبة لأفعال أنت فهي تبدأ بالتسلل والدفن، في الحالة الأولى، واللطم واللكم في الحالة الثانية والثالثة، لتصبح أنت مفعولاً به في الحالة الرابعة، التقيؤ. بالنسبة للتفاحة فهي ليست بفاعلة وإنما ذات وظائف ومعان تتبدل بحسب الفاعل أنا/أنتَ، ووظيفتها الأهم كونها حصان طروادة أي الأداة التي يخدع بها أنت القريب أنا الراوية ليقوم من ثم  بعملية ممارسة العنف والقمع بهدف خنوع الراوية لأنت. ومن الممكن توزيع الأفعال والوظائف كالآتي:

أنا

أنت

التفاحة

التهمت

تسلل ودفن

شيء الرغبة

مفعول بها – لَطم

لَطَمَ

وسيط التشبيه- الخدكالتفاحة

مفعول بها – لَكم

لَكَمَ

وسيط مكاني- التفاحة في البطن

أحشر وأتقيأ

أتقيؤكَ

أتقيؤكَ

إن ربط الفاعل بالفعل ومن ثم تجسيد الربط في تسلسل بين الأقطاب الثلاثة يأتي بنا إلى جسد الحدث الشعري الدرامي. إن الحدث الشعري في “تفاح” هو حدث جسديّ بامتياز، وهو بعدة مستويات هندسية منشبكة، تُشكِل مجتمعة معمار البيت الذي سكنه الرب (أي قد يكون القريب المخادع هو ذات الرب في “مقص”) بعد أن خرج باحثاً عن المقص لإخفائه عن أعين العاملة، ولنصطلح على هذه المستويات الهندسية اسم مشهد. ولنبدأ بفحص الحدث بحسب المشهد/نوع الجسد، ولدينا هنا جسد الراوية جسد “أنت” وجسد التفاحة. المشهد الأول هو التهام جسد الراوية لجسد التفاحة لنرى أن الالتهام بما هو آلية جسدية بامتياز خلق الصراع الأساس لأن جسد التفاحة يحتوي جسداً آخراً، وسيتطور الحدث عبر مشاهد مختلفة لهذا الصراع. من المهم التنويه إلى أن المفترق الرمزي “التفاحة الحمراء” هو جسد شيء الرغبة تتراكم عليه تحويرات لا نهائية، ومنها أيضاً الإغراء والخداع والمراوغة، ما يميز “تفاح” القصيدة هو أنسنة جسد التفاحة (أحشائها). أما المشهد الثاني فهو خروج جسد أنت من وراء الحجاب التفاحي ليسيطر على جسد الراوية عبر محاولة إخضاعها ضرباً في عدة مواقع، الخد والبطن، وفي هذا المشهد يتم بداية تحول أساسي في وظائف التفاحة الحمراء من شيء الرغبة إلى شيء سيء مضر، الخد الأحمر من الضرب يشبه التفاحة لوناً وشكلاً (الانتفاخ)، ووجع المعدة من اللكم يشبه وجع المعدة من أكل التفاح السمين ولكن سمنته فارغة. إن هذا التحول في الوظائف والمعاني يمهِّد لما سيأتي في المشهد الثالث من الحدث، حيث سيوازيه تحول في جسد الراوية يخرجه من حالة المفعول به إلى فاعلية جسدية أولية لا-إرادية. يقوم المشهد الثالث من الحدث بحل التناقض الأساس الناتج عن دخول جسد “أنتَ” في جسد أنا الراوية بطرده جسدياً، فالراوية تضع أصبعها في حنجرتها ليقوم الجسد من ثم بعملية تقيؤ تقذف الجسد القامع من الجسد المقموع. التقيؤ آلية أولية يستخدمها الجسد في صراعه للبقاء في حالات التلوث الناتجة عن دخول جسم غريب وضار إليه. وعندما يعجز الوعي الاجتماعي عن مواجهة تناقض ما يلجأ، عادة، إلى استخدام الأصبع لتفعيل هذه الآلية الكامنة في الجسد المادة. من الممكن عرض الحدث ومشاهده كالتالي:

المشهد الأول

المشهد الثاني

المشهد الثالث

التهام التفاحة بعد تسلل أنت إليها وخداع الراوية وتثبيت بنية الصراع.

صراع عنيف بين جسد أنت وجسد الراوية، حيث يؤدي إلى تحول في وظائف جسد التفاحة.

تقيؤ جسد الراوية لجسد أنت الغريب وحل الصراع جسدياً. (قفلة بنيوية من خلال التقابل التهام/تقيؤ).

مما لا شك فيه أن الجسد، بحرفيته كما بمجازيته، من أهم حلبات الصراعات الاجتماعية، وفي سياقات محددة قد يكون أهمها. ومنطق عمل الجسد مبني على مناطق التقاء بينه وبين البيئة الطبيعية وتلك الاجتماعية التي يتواجد فيها. ومناطق الالتقاء هذه بعضها يعمل ببطء وبدون حدة، مثل الجلد عامة، وبعضها يعمل بسرعة وكثافة وحدة مثل الفم الشرج والأعضاء التناسلية. من الممكن كشف الأنظمة الاجتماعية عبر كشف طرق ترتيبها لهذه المناطق. هذا بالضبط ما قام به فرويد بالنسبة للمجتمعات الأوروبية الحديثة. والسؤال بالنسبة لقصيدة “تفاح” هو حول النظام الذي تحمله اجتماعياً لتقوم بحله شعرياً؟

من السهولة بمكان تتبع أثر القمع الجنسي حد الاغتصاب في “تفاح”، وإنشاء مقولة في انزياح لغة الجنس العنفي إلى لغة الأكل العُنفية، وخاصة أن ثالثتهم تفاحة حمراء. إلا أن هذا سيكون اختزالاً لدراما الانعتاق الشعرية الكامنة في بنية القصيدة. من الممكن رسم شعرية الانعتاق الجسدية المقترحة في “تفاح” بأن قمع الجسد يؤدي إلى تلويثه، وذلك بسبب من طبيعة منطق مادة الجسد، والانعتاق بالضرورة تطهير الجسد عبر آلياته المادية، التقيؤ في حالتنا.

قمع جسدي

تلويث (بسبب طبيعة الجسد المادية).

انعتاق جسدي

تطهير (عبر آليات جسدية مثل التقيؤ).

                    .

4

لعل أهم ما في “مقص” و”تفاح” أنهما يحملان شعراً ما تم فصله في الحداثة: السياسة والمعرفة والجمال. ومن هنا فمن الممكن اصطلاح “شعرية الانعتاق” على هذا النوع من الكتابة الابداعية، وهو بهذا تطوير تحويري لرافد أساسي في الشعر الفلسطيني. فلقد تم التطرق للإشكالية الأساسية سيد/عبد، على تحويراتها المتعددة، في الشعر الفلسطيني بالعديد من الأشكال والصياغات الجمالية. في معظمها، ولا أعتقد أني ارتكب خطيئة التجني هنا، كل العبيد كانت تسعى لتتشكل كأسياد وبهذا راوحت، ولا تزال، منزلة العبودية كموناً وتحققاً. ما تشي به القصائد التي بين أيدينا هنا أن إمكانية الانعتاق التي لا يسعى فيها العبد أن يكون سيداً واردة، ولها طرق عدة منها العمل والتطهر. العمل والتطهر ليست صفات تعريف السيد، بل هي صفات تعريف العبد الاجتماعي والديني. فما يعني أن أكون ذاتي لأنعتق من ربي؟ ما تطرحه القصيدتان هو “كيف أكون ذاتي” يحدد مدى وشكل “انعتاقي من هذا الرب البغيض”. الكيفية هي الانتقال من ذات مفعول بها إلى ذات فاعلة، أي نفي ما يلزم الرب ليكون، أنا. هذا مما يحتم العودة للجسد العامل، ومن ثم للجسد بما هو كذلك، شكليْ ما قبل-الأنا. هذا الانتقال هو المفصلي في البناء الشعري هنا، فبيت لنا جسدها.

5 تعليقات على “مقصّ وتُفاح/ لنا عدوان”

  1. نداء قال / قالت:

    الشعر والنص جميلان جدا، لكن ليه كل هالعصبية!!

  2. جوزيف قال / قالت:

    وكل الاخترام اخذتي اطراء من السيد حنا ابو حنا :)

  3. احمد الفان قال / قالت:

    رائعة الحضور والمعنى ، أذهلتني بعميق المعاني والمفردات الفاتنة ، إغدقي علينا من جود شعرك ، طبت وطاب دربك

  4. خليل ناصيف قال / قالت:

    لنا …
    كقاريء يعشق الصور ويلمس الكلمات استمتعت بكلماتك جدا …
    احببتها وحسب ..
    اظن ان النظر الى ما تكتبه لنا بصورة بسيطة افضل بكثير من تقشير نصها بحثا عن فلسفة عميقة هي موجودة في البساطة اكثر منها في اللب البعيد ….

    شكرا لنا
    حتى هنا الفساتين حاضرة في كلمة مقص …..

  5. مش ناقد أدبي- قارئ عادي قال / قالت:

    الأمانة العلمية تُلزم الناشف أن يُشير إلى النظريات التي استخدمها لنفخ هذا النصّ. فقد كان حريّا به أن يذكر لنا رولان بارت، ودي-سوسير وأن التقيوء هو لوجليا كريستيفا! أليس كذلك؟ ألا تطلب من طلبتك في الجامعة التوثيق وعدم…!؟

أضف تعليق