عودة إلى البوصلة الأساسيّة/ علاء حليحل

أردوغان يصل إلى اسطنبول، اليوم السبت، 16 تموز.

أردوغان يصل إلى اسطنبول، اليوم السبت، 16 تموز.

.

|علاء حليحل|

علاء حليحل

علاء حليحل

منذ تحوّل الثورة السورية إلى ساحة وغى لقوى عالميّة وإقليميّة، لكلّ منها أجنداتها ومصالحها، أضحت تركيا الرسميّة بقيادة أردوغان لاعبًا أساسيًا في العالم العربيّ والإسلاميّ، بعد أن حاولت لسنين طويلة التركّز في الجبهة الأوروبيّة ومحاولات الانضمام إلى الاتحاد الأوربيّ، عازفة –عمدًا- عن التغلغل في الشؤون العسكريّة والسياسيّة في منطقتنا، زيادة عن الضروريّ. وبعد فشل تركيا وإدراكها بعدم قدرتها على الانضمام عضوًا رسميًا في الاتحاد الأوربيّ (كدولة مسلمة كبيرة- وليس هناك تفسير آخر على الصعيد الاقتصادي أو السياسي)، مالت تركيا ثانية نحو المنطقة العربيّة والإسلاميّة، محاولة –بنظري- اللعب على وترين أساسيين: إعادة كسب موقع سياسي-عسكري في المنطقة العربية والإسلاميّة كتعويض عن فشل محاولة التحوّل إلى لاعب مركزي على مستوى أوروبا؛ والوتر الثاني هو محاولة استغلال هذا المكسب الاستراتيجي كباب جديد إضافيّ يمكن أن تدخل منه في مفاوضات جديدة مستقبلًا مقابل الاتحاد الأوروبيّ للدخول إليه من موقع قوة أكبر، كقوة ناظمة للعلاقات بين الشرق والغرب، وهذا المدخل الثاني هو التذكرة الحصريّة التي تلعب إسرائيل من خلالها مع الغرب الأمريكيّ والأوروبيّ.

في الطريق إلى هذيْن المسعييْن ركب أردوغان على موجة الصراعات الإقليميّة التي بدأت بشكل خاص وحادّ في 25 يناير المصريّة، مرورًا بليبيا واليمن وسوريا والعراق. ومنذ اتخاذ القرار الاستراتيجيّ التركيّ بالتحوّل إلى لاعب فاعل وقياديّ في الأزمة السوريّة، ارتكبت تركيا الرسميّة أخطاء فادحة، بعضها تكتيكيّ على مستوى إدارة الصراع في سوريا ورفعه إلى مواجهة مفتوحة مع روسيا وإيران بالتحالف مع التيارات الداعشيّة على اختلافها، وبعضها أخطاء استراتيجيّة تتعلق برهان أردوغان على قبول الشعوب العربية والرأي المناهض للأسد، بالحضور التركيّ المتجدّد كقوّة نافذة.

هذه الأخطاء المتراكمة، وتخلخل موازين القوى الإقليمية، وخصوصًا استكلاب روسيا بوتين في مقابل تراجع أمريكا أوباما (وهما الشقان الأبرز في المؤامرة على الثورة السوريّة الشرعيّة)، جعلت تركيا ساحة للنزاعات الداخلية، يختلط فيها: غضب داعش على تراجعات أردوغان الأخيرة؛ الشأن الكرديّ؛ وإعادة النظر في الموقف المعادي (علنًا على الأقل) للحضور الإسرائيليّ في المنطقة، بتأثير روسي واضح يسعى نحو تطبيع الوجود الإسرائيليّ في المنطقة، عبر خطوات بارزة في السنة الأخيرة على صعيد التنسيق الأمنيّ في سوريا وغيرها، وخلق شراكات تكتيكيّة بين إسرائيل وعدّة أنظمة عربيّة. إذن، لا فكاك من الإشارة إلى الأداء السيّئ الذي لعبه أردوغان في المنطقة في السنوات الأخيرة، لاعتبارات توسعيّة شخصيّة له ولحزبه، ولاعتبارات سياسيّة داخليّة تتعلق بالاستقرار التركيّ الداخليّ.

وانتقاداتنا لتركيا الرسميّة تطال أيضًا السياسة القَطَريّة النافذة والإمارات والسعوديّة وإيران، ولكن تعقد العلاقات الدوليّة والإقليميّة، وتشعّب المصالح والمواقف حتى بين الحلفاء أنفسهم في كلّ محور، لا يتركان مجالا للخوض فيها في هذه العجالة، ناهيك بنقص هائل بالمعلومات والشفافيّة لدى كلّ طرف من الأطراف، ما يحول دون النظر المعمّق والمتأنّي، ما يجب أن يمنع الكثيرين من إطلاق الأحكام المتسرّعة على الخطوات والتطورات السياسية لدينا، والمبنيّة على انفعالات وتحزّبات وتشنجّات لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بما يحدث حقًا على الأرض.

ولكن، بين هذه الانتقادات والقراءات الصارمة ضدّ السياسة التركية، وبين تأييد الانقلاب العسكريّ الذي يحاول السيطرة على الحكم والجيش والدستور بقوّة السلاح، مسافة شاسعة لا يقطعها ويبشّر بها إلّا من فقد أيّ بوصلة أخلاقيّة أو سياسيّة بخصوص ما يجري في منطقتنا. ومن لا يرى كل ذلك يختار التمترس في الخانة السهلة التي اختارها: إمّا الأسود وإمّا الأبيض. وهذا التمترس هو السبب في ضياع البوصلة، والتي لم تكن أصلا لدى بعض الجهات التي أعلنت رفض الثورة السوريّة حتى عندما كانت سلميّة في أشهرها الأولى وكان المتظاهرون طعامًا لرصاص البعثيّة الأسديّة.

البوصلة يجب أن تكون واضحة ومتناغمة، والالتصاق بها يؤدّي بالضرورة إلى عدّة استنتاجات غاية في النتاقض بنظر الكثيرين، ولكن فنلجرب للحظة أن نتفق على أنّ البوصلة الأخلاقيّة والسياسيّة هي إرادة الشعوب وحريّة خياراتها. إذا اتفقنا على هذه البوصلة المبدئيّة فسنخرج بعدّة مواقف هي كالتالي:

الشعب التركي قال كلمته وبمثابرة منذ أكثر من عقد كامل، ونحن نختلف معه أو نتفق، لكننا لا نصفق ونرقص على دماء أبنائه وعلى أنغام المارشات العسكريّة التي تذكّر بأنظمتنا البعثية أو الوهابيّة، الفتّاكة والدمويّة

1. رفض الانقلاب على مرسي في مصر والمطالبة بعودته للحكم، رغم الاختلاف الجوهري معه ومع جماعته؛

2. رفض التدخلات الأجنبية في منطقتنا، سواءً أمن طرف أمريكا أم روسيا أم أوروبا أم أيران، والتأكيد على هذا المبدأ بغضّ النظر عن المواقف الاصطفافيّة والتجييش الغوغائيّ. ومن ضمن ذلك الأزمة السوريّة، على اختلاف تشعّباتها، ومساندة أيّ حلّ تصل إليه المعارضة والقيادات الشعبية مقابل النظام القائم، حتى لو كان حلاًّ جزئيًّا غير كامل (وهذا ينطبق على مناهضي النظام ومؤيّديه)؛

3. دعم مطلب الأكراد بتأسيس دولة مستقلّة تحقّق تطلعات حرية تقرير المصير، وذلك على أراض تُقتطع من العراق وتركيا وسوريا، من باب أنّنا لا نتمسّك كمناهضين للاستعمار بحدود سايكس بيكو التي فرضوها علينا؛

4. رفض أيّ انقلاب عسكريّ دمويّ على نظام منتخَب ديمقراطيًّا، في تركيا وغيرها، كبوصلة استراتيجية لا تتغيّر وفق الظروف والمعطيات والاصطفافات الدائمة أو المؤقتة.

هذا يعني: دعم عودة رئيس إسلامويّ في مصر والإبقاء على نظام علمانيّ في تركيا؛ وهذا يعني الخوف على السوريين ووطنهم وعدم تجزئته، مقابل الحرص على التنازل عن مناطق تابعة لدولة عربية قائمة من أجل ضمان حق تقرير المصير للأكراد كشعب مضطهد لسنوات طويلة؛ مناهضة السياسة الأمريكيّة القائمة على ازدواجية التعامل مع دول المنطقة وأنظمتها مقابل مناهضة الساسية الروسية بالوقت نفسه وبالحدّة ذاتها.

وفي المحصّلة، لا يجب أن نتجاهل أنّ الدافع الأساسيّ الذي يمكن أن يكون من وراء محاولة الانقلاب هو في السياق الإسرائيليّ: المصالحة التي تتمّ بين تركيا وإسرائيل والتوجه نحو تطبيع اقتصادي وسياسيّ وعسكري كامل، الأمر الذي ترفضه قطاعات شعبيّة ونخبويّة في تركيا. أي أنّ هذه المحاولة ترتبط حيثيّاتها بكلّ تشعبات ما يحدث في المنطقة، وهي ليست صراعًا محليًّا له دوافعه المحليّة الحصريّة. وتجب الإشارة وبوضوح هنا إلى أنّ المساعي التطبيعيّة التركيّة مع إسرائيل لا تقلّ بشيء عن المساعي الروسيّة. لذلك نحن نتعامل معه من منطلق المبدأ الأساسيّ والبوصلة الأساسيّة: إرادة الشعوب وحريّة خياراتها.

الشعب التركي قال كلمته وبشكل مثابر منذ أكثر من عقد كامل، ونحن نختلف معه أو نتفق، لكننا لا نصفق ونرقص على دماء أبنائه وعلى أنغام المارشات العسكريّة التي تذكّر بأنظمتنا البعثية أو الوهابيّة، الفتّاكة والدمويّة.