كي لا نكرر التجربة السورية أيها الفلسطينيون / علي مواسي

egypt

>

|علي مواسي|

علي مواسي

علي مواسي

“ثورة أم مؤامرة؟!”، سؤال استنزف طاقاتنا على مدار خمسين شهرًا ونحن نناقش المسألة السورية، وما جنينا منه إلا الخلافات على مستوى الأفراد والجماعات السياسية والفكرية، وما استطعنا خلال تلك المدة أن نقدم شيئًا لا للشعب ولا للوطن السوريين، لم نسقط نظامًا طاغيًا، ولم نوفر الحماية للدولة ومؤسساتها.

“ثورة شعبية أم انقلاب عسكري؟!”، سؤال تناحري جديد يبدو أنه سيرافقنا مدة طويلة جدًّا، ينهكنا، يزيدنا انقسامًا، ويشتت تركيزنا، ويزيد من الانقسامات التي تهدد بتراكماتها وحدتنا الوطنية، ثم نكتشف متأخرًا أننا لم نقدم لمصر شيئًا جوهريًّا يذكر سوى الكلام.

المجتمع الفلسطيني نموذج مصغر للمصري

لا مفر لنا أبدًا من الانهماك في الشأن المصري، هذه حقيقة، فهي قلب الأمة النابض وعمودها الفقري، أبدًا كانت وستبقى، وكل تغيير أو تطور فيها له أثر كبير على حاضرنا ومستقبلنا نحن الفلسطينيين، شعبًا ووطنًا، ثم إن انهماك العربي من قُطْرٍ ما بشؤون قُطْرٍ عربي آخر، أكبر دليل على أنه ورغم كل محاولات الصناعة القسرية لهويات قطرية، أو فئوية، أو تحت جمعية لغوية / ثقافية، فإن العروبة نجحت في أن تبقى الهوية الأعمق فينا، والأمتن جمعًا لنا. السؤال، كيف ندير هذا الانهماك؟ بأي طريقة ننظمه ونستثمره كي يعود بالفائدة علينا، اجتماعيًّا وسياسيًّا؟

مجتمعنا الفلسطيني، في بنيته العامة، نموذج مصغر عن المجتمع المصري، ومرجعيات حركاتنا السياسية، القيمية والفكرية، هي نفسها مرجعيات الحركات السياسية المصرية، بل إن مرجعياتنا، في بعض الحالات، مصدرها مصر، لا أي مكان آخر (علاقة القوميين بالناصرية، والإسلاميين بالإخوان)، ومن ثَمَّ فإن التغيرات التي تطرأ على العلاقات بين الحركات السياسية المصرية، والمعادلات التي تنظمها، تقاربًا أو تباعدًا، تترجم مباشرة في علاقات حركاتنا السياسية والمعادلات الناظمة لها، شئنا أم أبينا.

إن الناظر في مادة الجدل التي توفرها لنا المساحات المختلفة، حول “30 يونيو” وعزل الرئيس محمد مرسي من منصبه، وفحص تراكيب هذه المادة الاصطلاحية ومحتوياتها المفاهيمية، يجد أننا أمام موقفين أساسيين عامين، لا متحاورين، إنما متناطحين، هما موقفان قديمان، لكنهما يتجددان الآن، بما يتلاءم مع تجدد الحالة المصرية السريع واليومي.

العلماني واليساري الخائن!

في طرف يقف الإسلام السياسي، أو متدينون يؤمنون بحاكمية الإسلام، يُقَرّعون، ويتهمون العلمانيين والليبيراليين واليساريين، جملةً، بالتبعية للغرب، والخيانة، والسعي للقضاء على الإسلام، وإفساد الأمة، ولا يرون في معارضي جماعة “الإخوان المسلمين” ومحمد مرسي إلا فاسدين، أو كفارًا، لا علاقة لهم بالإسلام، دينًا أو هوية ثقافية وحضارية.

هؤلاء يتحدثون عن “الشرعية” و”صناديق الاقتراع” و”حكم الأغلبية”، ولكنك نادرًا ما تجد في مادة خطابهم استخدامًا لمصطلح “الديمقراطية”، أو دفاعًا عن قيمها ومبادئها، أو حديثًا عن العقد الاجتماعي الوطني، أو الحريات والحقوق الفردية. “الشرعية” لهم مهمة جدًّا لأنها أوصلت رئيسًا إسلاميًّا إلى الحكم، لا لأنها ممارسة ديمقراطية مبدئية. ثم إنك لا تجد لديهم نقدًا أو استنكارًا لأي من المضامين الجهادية التحريضية التي تصدر عن بعض قيادات “الإخوان” ومناصريهم تجاه باقي فئات الشعب المصري ومؤسسات الدولة المختلفة ورموزها، ولا تجاه العنف الفعلي الذي يحصل في الشوارع المصرية من أي طرف كان، لا بل إن التهديد بنموذج الجزائر بات أمرًا مستسهلًا، كتب أحد الأصدقاء الإسلاميين على صفحته الفايسبوكية مثلًا: “أشهدكم أني كافر بالديمقراطية، مؤمن بحكم الله وشريعته، ساخط عليها غايةً ووسيلةً على حدّ سواء”!

الإسلامي الظلامي الشرير!

في طرف آخر، هناك العلماني أو الليبيرالي “التكفيري”، إن صح التعبير، يرى في كل إسلامي غولًا، ينعته لمجرد أنه كذلك بالقمعية، والظلامية، والعنف، والاعتداء على الحريات، وأنه مشروع إرهاب، و”قاعدة”، و”طالبان”، ويتهمه أيضًا بالتبعية للغرب، وينحاز انحيازًا تامًّا لـخطوة عزل الرئيس مرسي، أو الانقلاب، دون أن يتوجس أو يقلق لمستقبل مصر وفلسطين، فتجده مسترخيًا تمامًا، ومطمئنًا للمؤسسة العسكرية كل الاطمئنان، وهي نفسها التي هتف ثوار 25 يناير ضدها: يسقط يسقط حكم العسكر. ولا تجد لديه أي توجس من أن الفلول يسرحون ويمرحون ويحرضون، ويتأهبون للعودة.

هذا الفريق عمومًا، لا يوجد في خطابه أيضًا أي إدانة واضحة وصريحة لقمع مناصري “الإخوان” على يد الجيش، اعتقالًا، وتقييدًا إعلاميًّا، وربما تصفية جسدية، وإن فعل فبخجلٍ وعلى مضض، لا تلمس صدقية وجدية في ذلك، بل البعض يتشفى ويتهكم ويسخر، وفي الوقت نفسه يتحدث عن الحريات والحقوق! وهو لا يعترف بأحقية الإسلام السياسي في الحكم، بأي شكل من الأشكال.

كلا الطرفين يقومان بسلوك إقصائي، وإلغائي، وغير ديمقراطي، وهذا التطاحن لا يفيد المجتمع الفلسطيني ولا المجتمع المصري في شيء.

المتناقض!

أما من أوصلته اجتهاداته لأن يكون في منزلة بين منزلتين، وهو ينتمي إلى فريق ثالث قليل، فهو متهم من الطرفين، ويوصف بأنه “متناقض”.

لا أفهم لماذا تنكر الثقافة العربية على إنسانٍ ما، وتستكثر، وتستعجب، ولا تستوعب جمعه بين تأييده لتصور حركة “تمرد” الثورية ومطالب “30 يونيو” مثلًا، ومعارضته لسياسات “الإخوان” الإقصائية والاحتكارية والمنحرفة عن مبادئ الثورة وجوهر الديمقراطية، هذا من جهة، وبين دفاعه عن حق الفريق الأخير في التعبير، ورفض أي انتهاكٍ له، أو قتلٍ، أو اعتداءٍ جسدي من جهةٍ أخرى. فعلًا لا أفهم!

الانحياز الأوتوماتيكي: خصوم ومؤيدو “حماس”، وأنصار الأسد

من الفلسطينيين، وخاصة النشطاء والمثقفين والحركات السياسية، من اتخذ موقفًا وانحاز لفريق على حساب فريق، لا لعوامل موضوعية تتعلق بجوهر ما يحصل في مصر، ولا إثر وقفة مستقصية باحثة مجدة، تسمح له بالانكشاف على كل الآراء ووجهات النظر في سبيل صياغة رأي يكون معه مرتاحًا، لا. فخصوم “حماس” وأنصارهم التقليديون في الأراضي المحتلة عام 1967 انحازوا أوتوماتيكيًّا ضد “الإخوان”، والعكس صحيح. والحركات الإسلامية في الداخل الفلسطيني انحازت أوتوماتيكيًّا لصالح “الإخوان”، لمجرد أن محمد مرسي رئيس إسلامي، أو يمثل الإسلام.. وهكذا..

أنصار النظام السوري، والذي يستغل في هذا الوقت انشغال الرأي العام العربي والعالمي بما يحصل في مصر لينقض بعنف أكبر على الشعب السوري، فاجأونا بانحيازهم السريع والغرائبي لإرادة الشعب المصري وانتفاضته ضد حكم مرسي، وكانت المفاجأة أكبر عندما تحول “الخريف العربي” في ليلة وضحاها، وبقدرة قادر، إلى “ربيع عربي” بالنسبة لهم!

أشك في أن هؤلاء المنحازين أوتوماتيكيًّا سمحوا لأنفسهم بالاطلاع على مطالب حركة “تمرد” الثورية مثلًا، ومن هم قادتها، وكيف تشكلت، وما هي طروحات “30 يونيو”، أو أصغوا جيدًا لما يقوله “الإخوان” وأنصارهم، ليتبينوا إن كان في ما يقولون جانب حق، أو حجة مقنعة، ومن حقي أن أشك!

كي لا.. مسؤوليتنا

كي لا نكرر تجربتنا في التعامل الفاشل مع الشأن السوري، والتي أنهكتنا واستنزفت طاقاتنا، وبلغت بنا أن نشهد “تكفيرًا” سياسيًّا لا حدود له، وتخوينًا، وعنفًا كلاميًّا كثيرًا، بل وجسديًّا أحيانًا، واعتداءً على صحافيين. كي لا نكرر ذلك، ونحن أمام امتحانات صعبة قادمة، خاصة مع دق ناقوس نكبة جديدة في النقب، وعدم اندمال جرح المخيمات في سوريا، وعدم فك الحصار عن غزة بعد، واستمرار الانقسام، ودون ذلك من قضايا، فإنه علينا جميعًا أن نتحلى بالمسؤولية الاجتماعية والوطنية، أن نتأنى في أحكامنا، أن لا نسمح لأي شيء بزجنا في معارك هامشية لا تعود إلا بالضرر علينا، وأن نوجد لأنفسنا أطرًا وأقنية حوار نتصارح من خلالها، نضبط لغتنا، ونمتنع قدر الإمكان عن الاستمرار في حالة التمترس التي نعيش، أو حتى النأي بالنفس إن لزم الأمر رغم ارتباطنا المصيري بمصر وشعبها، لن نخسر شيئًا لو لم نسارع مثلًا إلى تنظيم تظاهرات ووقفات اعتصام تأييدًا لأي طرف هذه المرة، وأن نعطي لأنفسنا مهلة فهم أعمق وأشمل للصورة!

الناشطون، والمثقفون، والأحزاب، وقادة هذه الأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الإعلامية بالذات، يتحملون المسؤولية كل المسؤولية في منع تكرار ما عشناه على مدار عامين ونصف العام. كيف؟! هذا هو الاختبار الذي يوضع فيه الجميع الآن.

لا يعقل مثلًا، أن توظف قناة إعلامية جل طاقاتها للدفاع عن فريق دون فريق، مع تغييب واضح لصوت الفريق الآخر ووجهة نظره، لا يعقل أن تقوم صحيفة ما بشن حملة شعواء على كل الرموز المصرية، والمؤسسات، والأحزاب التي تعارض الإخوان، أو العكس، أين المسؤولية في ذلك، أين الموضوعية والمهنية؟ ألم نتعلم بعد من دروس الانقسام والتشتيت بسبب أجندات خارجية أكثر منها داخلية؟!

ثقافة الأبيض / أسود

وأخيرًا، إن ثقافة الأبيض / أسود، الخير / الشر، من ليس معي فهو ضدي، تليق بعقولٍ لا تجتهد، وبنفوسٍ لا تقبل التعددية وتنتهج التصنيفات الضيقة الفئوية.

إن أفضل ما يقدمه إنسان لفريق يؤيدها، يُنْتِجُ فعلًا سياسيًّا ما، خاصة إذا كان مؤمنًا بثورية هذا الفريق أو أحقيته، هو أن يوجه نقده البناء له، أن لا يغض الطرف عن أخطائه، أن لا يتصالح مع هفواته وزلاته، أن لا يكون جزءًا من ماكينة الشحن والتحريض، وهذا يعني أن يرفض كل شكلٍ من أشكال الاستبداد بحق أيٍّ كان، وأن يعتبر دم الإنسان، أيًّا كان ومهما كان حرامًا. هذا حقًّا ما استنتجه من الدرس السوري الذي فشل في استيعابه غالبيتنا على ما يبدو.