الثقافة الفلسطينية والخروج من زمن الانقسام/ أحمد. م. جابر

خالد مشعل ومحمود عباس في لحظة مصالحة سابقة.

خالد مشعل ومحمود عباس في لحظة مصالحة سابقة.

|أحمد. م. جابر| 

تتجسّد الثقافة كعامل حيوي ومؤثر في حياة الأمم والشعوب، وهذا العامل لا يقبل الجمود والثبات على نمط واحد، بل هو ديناميكي ومتغير مع المجريات التاريخية التي تتعرض لها الشعوب والمجتمعات. ولذلك من البديهي أن تختلف الثقافة من مجتمعٍ إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى ضمن المجتمع الواحد. إنها ليست مجموعة مكوّنات ثابتة، تصلح لكلّ زمان ومكان، بل هي متطوّرة ومتغيّرة. قد تكون متحلزنة، أو منطلقة كسهم، ناكصة أو تقدمية، ولكنها في جميع الأحوال تشكل الإطار الجامع الذي يحدد موقع البشر من أنفسهم ومن العالم. فهي ليست لغة أو أدبا أو فنا أو فكرا، وإنما هي هوية الشعب التي خرجت منه وتنتمي إليه وكوّنت شخصيته. كما أنّ صمودها في وجه العواصف إنما هو صمود لهوية الشعب ودفاع عن شخصيّته وتاريخه.

فإطلاق إبداع الشعب وإطلاق مكنوناته الروحية والمعنوية لا يجب أن يكونا رهينة لإرادات ضيّقة تريد من المثقف التطبيل والتزمير لفكرة أو موقف، ولا أن ينتج المبدعون أعمالهم كآلات تحرّكها السياسة المسيطرة لتأكيد صحّة مواقف أصحابها. إنّ تطور الثقافة والفن والإبداع لا يستقيم مع التأطير المسبّق والخضوع لأهداف المشتغلين بالسياسة. وضمن هذا السياق، نلحظ عمق الأزمة التي ألمّت بواقع الثقافة الوطنية الفلسطينية عبر مراحلها التاريخية الماضية ولا سيما منذ مسار أوسلو ووصولا إلى الانقسام السياسي، حيث بات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يواجه شبح الفرقة والتمزق في ظلّ غياب المؤسّسات الوطنية الجامعة، ومنها المؤسسات الثقافية.

قد تكون السنوات الثماني المنصرمة من عمر الأزمة قدّمت ما يكفي من الأدلة على أنّ طرفي الانقسام ليسا في الحقيقة سوى “صورة مرآة لحقيقة لاعقلانية واحدة”، وأضيف أنّ الفلسطيني اليوم، ليس فقط على المستوى الثقافي أو الجغرافي المحدد، بل في مستويات متعددة متقاطعة ومتوازية، يجد نفسه منقسماً، بين داخل وشتات؛ بين غزة والضفة؛ بين مقاوم ومفاوض؛ ممزقا بين عقيدتين مأزومتين: فعقيدة “واقتلوهم حيث ثقفتموهم”، أو “إن جنحوا للسلم فاجنح لها” في الترويج الأيديولوجي، كلاهما معيار تطرف ولا عقلانية كما يتمظهران في الخطاب الأيديولوجي العقيم الذي يتم تسويقه. ومن ثم، فإنّ إدوارد سعيد في تفكيكه لصور المثقف وتمييزه بين مثقف البرج العاجي على غرار جوليان بندا، وبين المثقف العضوي، كما هو حال أنطوان غرامشي، إنما يحدد وظيفتين لمثقف مأمول: نقد الواقع من وجهة نظر السعي لتغييره، واقتراح البدائل والوسائط السياسية التي “تؤمن” للمجتمع تحرره وخلاصه وغده الأفضل. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل وقع المثقف الفلسطيني في حبائل الانقسام؟ وإلى أيّ مدى استجاب مثقفنا لهاتين الوظيفتين في زمن الانقسام؟

ممّا يُؤسَف له أنّ للتسويق الأيديولوجي سطوة مدعومة بقوة مال وقمع أمنيّ استشرى على طرفي الانقسام، فوقع المثقف في حبائل انحياز أو حياد متخلياً عن وظيفته الأصلية، وهذا في رأيي غالب أعمّ وإن لم يكن إجماعًا. وانجرّ المثقف لشعار السياسي، متجاهلاً الخطر الجسيم الذي يصيب الجسم الفلسطيني، وما يتسبب به موقفه، كحارس لقيم كلية، عبر انحيازه السياسي، مستخدماً تبريرات من ذات النوع مغمسة بالأيديولوجية؛ فإذا كان المثقف “ضميرًا للشعب” حسب غرامشي وبموافقة منه، فهل يجوز له الانحياز لقطاع من الشعب، حتى لو كان هذا القطاع أغلبية منتخبة، مذكّرين أنها أغلبية سياسية في الجوهر، أيديولوجية في العناوين؟ هل ما يحدو المثقف وموقعه هو صندوق اقتراع أم مبادئ يمكن أن نسميها فوق انتخابية؟

وإذا كان المثقف مسؤولاً عن الدفاع عن المضطهدين في كلّ مكان وزمان وجغرافيا، فهل ميّز مثقف فلسطينيّ بين مضطهد نسبيّ من نظام مستبد مال بعد انتصار بصندوق الاقتراع إلى حكم إسلاموي قامع، وبين مضطهد كليّ هو الشعب، الذي يدفع ثمن الانقسام في زمن الاحتلال المطبق على الوطن والشعب؟ هل ميز المثقف في انحيازه للانقسام بأحد طرفيه بين انحياز لمظلومية نسبية مؤقتة على حساب مظلومية كبرى يحصدها الشعب نتيجة الانقسام؟

ونجد سلطة الانقسام وقد تعاملت مع المثقف كما مع الحالة الثقافية، كما هو حال الدولة الوطنية التالية للاستعمار والمستمرة حتى الربيع العربي، تفرض نفسها مرجعية وحيدة وشاملة ليس للثقافة فحسب، بل لمعايير تسمية المواليد الجدد أيضًا. فهي تمدّ المثقفين الخاضعين لجغرافيتها المادية أو المعنوية، بالمشروعية المطلوبة باعتبار ما تقوله السلطة هو المشروع الوحيد. وللأسف، تنازل المثقف عن وظيفته النقدية ارتهاناً لشعار سياسيّ، فاستبدل المعرفيّ السرمديّ بالسياسيّ اللحظيّ المنفعيّ، ودفع المثقف النقدي ثمناً غالياً بدءًا بالتهميش ومرورًا بالاتهام بالعمالة أو السقوط الدينيّ والأخلاقيّ، والتشكيك بنزاهته الفكرية والأخلاقية.

انجرّ المثقف لشعار السياسي، متجاهلاً الخطر الجسيم الذي يصيب الجسم الفلسطيني، وما يتسبب به موقفه، كحارس لقيم كلية، عبر انحيازه السياسي، مستخدماً تبريرات من ذات النوع مغمسة بالأيديولوجية

في زمن الانقسام، لا يجد النصّ الثقافي مشروعيته إلا محمولاً على صاروخ أو في حزام استشهاديّ، من دون التقليل من أهميتهما في سياقهما، أو ملقى على طاولة مفاوضات، وفي الحالتين يفقد روحه وحقيقته؛ فالصاروخ وطاولة المفاوضات ليسا في الجوهر إلا كناية عن تمسك بسلطة، وصورة بديلة عن حقيقة مرة جوهرها أنّ لا صوت يعلو فوق صوت الغنيمة، كرسي الحكم، بغضّ النظر إذا كان هذا الكرسي لا يحمل أيّ دلالة واقعية ترتبط باسمه ووظيفته في زمن الاحتلال.

وبسبب حالة الاستقطاب لا يجد مثقف حرّ ومبدئيّ ومخلص لوظيفته النقدية تسويقًا، ولا سوقاً لأعماله أو لجهوده. فالسوق جمهور تمّت أدلجته والتسويق حكر على أبناء طرفي المعادلة، يدخل المال خادماً بدوره للشعار السياسيّ، مدعوماً بالإرهاب والتخويف، وتصبح عبارة الشعار السياسي مفتاحاً لدخول جنة مال النشر والخروج إلى العلنية التي هي مطلب كلّ مثقف.

أمّا ما تبقى من فضاء “سياسي” يعتبر نفسه -بغضّ النظر ما إذا كان صحيحاً- مستقلاً، أو ثالثاً، فإنه بدوره لا يقصر في مصادرة حق المثقف في تحدّي الأيقونات الجاهزة للحقيقة، سواء بحجة عدم السعي لإثارة غضب أحد طرفي الانقسام وجرّ نوائب لا قبل له بها، واتهامه بتعميق الأزمة من حيث لا ناقة له ولا جمل، أو لعجزه عن تحمّل تبعات صوت مغاير تمكّن من قول الحقيقة في زمن الارتهان لإرادة الحزب وحكمة القائد السياسيّ.

ترتكز ثقافة الانقسام على رفض نسبية الحقيقة ورفض الحوار المتبادل، والاعتماد على الأخلاقيات النسبية والصح والخطأ والكفر والإيمان؛ ثنائيات نجدها بكثرة في أدبيّات الانقسام ومقولات مثقفّيه. ومثقف الانقسام يركن إلى يقينية نفعية تخلو من رومانسية قيميّة، وثقافته ترفض التعدّد محتفية بأحادية سرمدية تفرض يقيناً إيمانياً وامتثالاً وركوداً في تشديد على خطاب خشبيّ وبلاغة تصنيع المعنى، ورفض اختبار جدّيّ (لحقيقتهم) تشترطه المعرفة الرصينة، فيتحول الدين إلى سوط والسياسة إلى مهرجان لفرقة فولكلورية. هذا النوع من التنظير الثقافي يفضي إلى مكانة سلطوية الشكل والمضمون تضمن لحاملها راحة مادية ومعنويّة، بل وأمنية مقبولة، تنجيه من ألغام الحدود أو المناطق الحرام التي يكابد مثقف نقديّ حقيقيّ بالتمترس بها ولا يخشى في الحقّ لومة لائم.

ليست دعوة لخروج السياسيّ من الثقافيّ أو العكس؛ بل لا بدّ من التأكيد والاقرار بأهمية حضور البعد السياسي في الخطاب الثقافي بقدر ما نطالب بحضور البعد الثقافي في الخطاب السياسي، وأكثر من ذلك: ضرورة استناد الخطاب السياسي الى منظومة ثقافية متكاملة. يقول فالتر بنيامين: “لا سياسة ثقافية صحيحة من دون سياسة صحيحة”. هل يمكن القول إنه لا ثقافة سياسية صحيحة من دون ثقافة صحيحة؟ وما هو معيار الثقافة الصحيحة وما الذي يحدّدها؟ ربما الأصحّ القول بحالة ثقافية صحية ديمقراطية ومنفتحة ونقدية وشجاعة وغير محابية، ويبقى السؤال هل هذا ما زال ممكنًا بعد تلك السنوات العجاف؟

وفي الختام، طُوي زمن الانقسام ولكن هل طُوي عقل الانقسام وثقافته؟ إنّ هذا يقتضي أن تطوى معه ثقافة معيبة وقيم مختلفة والانقسام يجب أن يدفن بكل ما حمله من هرطقات وطنية أو غيرها، لمصلحة حقيقة واحدة ترتكز على نزاهة أخلاقية ومعرفية علمية لا تحابي ولا تخضع ولا تبيع نفسها بمال زائل أو أمن مزيف.