إطالة نزيف سوريا، والمستفيدون!/ هشام نفاع

الممثلة الأمريكية أنجلينا جولي في سورية. "سوريا تنزف. لا واشنطن ولا حلفاؤها يستعجلون الحسم"

>

|هشام نفاع|

حين كنّا في أوج الحراك الاحتجاجي الشعبي العربي، مطلع 2011، تساءلنا بعد تونس ومصر: “على مين الدور؟”.

الأخبار المتناثرة، حينذاك، عن تحرّك في سوريا قوبلت بقليل من الثقة، وبكثير من الخشية مما قد يفعله النظام. بورصة الاحتمالات توجّهت لدى البعض نحو المغرب العربي، الجزائر خصوصًا، لكن ليبيا كانت أسرع.

مثل النظام السوري تقريبًا، اختار النظام الليبي “الحل” الأمني. هذه حدود عقليته، كأيّ دكتاتور و”أسرة حاكمة” (وما أحقر هذا المفهوم). ومثله تقريبًا، وفّر الفرصة للمتربّصين بفرص سفك الدم والهيمنة كالضباع المتربصة للجّيف.

حين كان اليساريون والوطنيون والتقدميون و”الأوادم” عمومًا يجرون الحسابات بمبدئية وحماسة، كانت أدوار السياسات الدولية العليا، ومجروراتها العربية –الخليجية منها خصوصًا– تجري حساباتها هي أيضًا. تفاوتنا في الحسابات لكنهم فاتونا في الممارسات، لأنّ عتادنا “شوية دم وضمير” وعتادهم بترودولار وسلاح وتآمر.

دخول قراصنة الامبريالية وزعامات النفط المنهوب من شعوب العرب، أسقط القذافي ونظامه. ولا زال قراصنة الدماء يحاولون إسقاط بشار الأسد ونظامه. لم يسقِطوا الأول (مباشرة) ولا يقاتلون الثاني (بالوكالة) حبًا وحرصًا على حرية ولا ديمقراطية. لا. بل طمعًا في الهيمنة مهما كان الثمن بعملة الدم والخراب. بهذا المفهوم: نعم هناك مؤامرة، لكنها ليست جديدة، بل قائمة، دائمة، وقديمة، لذلك فلا “فتاحة” بترديد لازمة المؤامرة.

في هذه الأثناء تم استكمال التآمر على اليمن ولا يزال التآمر على البحرين جاريًا. والصمت هنا يلفّ الموقف.

البعض اختار تحويل تلك القرصنة، التي كان يجدر بالعقل والتجربة توقّعها، إلى معيار قاموا بموجبه بتنظيف ساحة النظامين الدمويين وتنصيبهما ذخرًا للعروبة الثورية المقاومة. وكأنّ هناك مقاومة مع شعب مقطوع اللسان ومقصوم الظهر. وهناك من أسرف فقام بقراءةٍ بأثر رجعي وبنكوصٍ أكروباتي ليفتي لنا من علياء نظرته التقدمية: ما هذه الثورات العربية إلا فصول في المؤامرة، فكفّرها؛ كفّر كل الصدق الخالص في ملايين الصدور العربية التائقة إلى كرامة وحرية ومعنى لأن تكون.

بدلا من الاجتهاد لفهم وشرح ظروف سرقة الثورة من شباب العرب لشباب العرب، والتفكير في سبل مقاومتها، اختار بعض كسالى اليسار والتقدميّة “الموت الرحيم” لحراك الشباب والشعوب. خنقوه في مهده بحرصهم على منظومات أيديولوجية مرسومة، كالسلفيين في هذه الحالة، بالأسود والأبيض.

لقد جرت مياه (ودماء!) كثيرة في نهر العرب 2011 و 2012، وصارت عملية القرصنة الغربية-العربية الرجعية المشتركة ضد الحراك الثوري العربي، أكثر جلاء وسفورًا. لم يقف القراصنة في وجه التحرّك، فهُم أذكى من ذلك، بل حاولوا -وما زالوا يحاولون- إفساده، خطفه وسرقته. ولكن بالمقابل، بدلا من أن يتعاون ويجتهد أصحاب المصلحة المشتركة وسكان الخندق السياسيّ الواحد من الثوريين ومناصريهم ليواجهوا محاولة قنص الثورة وسرقتها، فقد فعلوا ما فعله اليسار وحلفاؤه على مرّ التاريخ الحديث: اختصموا واقتتلوا على “قداسة التحليل” وتركوا القراصنة يواصلون بكل هدوء وسلاسة ولؤم نهبهم ثورة شعوبنا.

سوريا تنزف. لا واشنطن ولا حلفاؤها يستعجلون الحسم. الهدف هو إطالة عمر الأزمة والنزف لأنّ مكسبهم سيكون عندها أكبر: ليس إسقاط النظام، بل إسقاط الدولة والبلد معًا. فهذا هو الهدف في النهاية

بدلا من التفكير –ولو بأداة أضعف إيمان القلب واللسان– بكيفية مواجهة ما يتفاقم ويتعثّر ويتعسّر، انقسم فريق احتياطيّ الثورات السياسي والفكري، فارتحل فخذُ منه صوب النظام بعناق دببة، حتى لو جاوروه في أقبية المخابرات والعذاب، وهرول آخر نحو معاداة النظام كهدف مقدّس، حتى لو جاورهم في الخندق النقيض متسلحون بمال وسلاح أمريكي وسعوديّ. فهكذا هي الحياة لدى اليسار العربي الأعور: عيون عاجزة سوى عن قشع لونيْن لها لا ثالث لهما في طيف الشمس. وهكذا ضلع ثوريّون أيضًا في فعل كسوف شمس الحرية التي انتظرناها، تغنّينا بها وغنينا لها مرارًا بحرارة سابقًا.

لقد نقل اليساريون والوطنيون والتقدّميون والمتعقلون عمومًا الحربَ إلى ديارهم المتواضعة. وهكذا أدّينا، بغباء، الفريضة بخشوع علمانيّ. لم تردع هذه المعركة الجانبية المُدارة بنيران صديقة بيننا أيّا من طرفيّ الحرب “القديمة” الدائرة لتكريس القديم: لا ردع مخابرات النظام وأذرعه الشرسة عن المضيّ في غيّ “الحلّ الأمنيّ” المستقدِم بنفسه أيضًا قراصنة النهب، ولا صدّ الإمبريالية الغربية وحجارة شطرنج العمالة العربية عن إفساد الحراك الشعبي العادل بواسطة مال وسلاح أعداء الشعوب العربية، سواء المتبجّحين منهم بمقاومتهم للذوْد عن الثورة (بمعاش نفطيّ الرائحة) أو الزاعمين بجهادهم لاستكمال مآلها (بتمويل/تسليح بنفس الرائحة).

هكذا غاب السؤال الأخطر: كيف ساهم همج الاستبداد وهمج مجرورات الرجعية والهيمنة (معًا، وسياميًا) في رفع لهيب النار ومنسوب الدم، وبالتالي خدمة ما تريده الأدوار العليا منذ أولى أيام حَراك تونس ومصر العظيم: كبح الحراك الثوري العربي وقتله قبل أن يكبر!

سوريا تنزف. لا واشنطن ولا حلفاؤها يستعجلون الحسم. الهدف هو إطالة عمر الأزمة والنزف لأنّ مكسبهم سيكون عندها أكبر: ليس إسقاط النظام، بل إسقاط الدولة والبلد معًا. فهذا هو الهدف في النهاية. وعلى هذا الطريق الدّنس يتحقق للامبرياليين وعملائهم العرب وحكّام إسرائيل الهدف الاستراتيجي الأكبر: صدّ سيرورة الحراك الثوري العربي وقطعها عبر تركيز الأنظار والمخاوف في هذا المشهد الدموي المرعب المتواصل.

سؤال الأسئلة: كيف يكسر الوطنيون والتقدميون و”الأوادم” العرب هذه الدائرة الدموية المقفلة، بعيدًا عن الخيارات السّهلة؛ بعيدًا عن السّير في ركب المستعمر والعميل باسم تسطيح الثورة، وبعيدًا عن الالتحاق في ركب النظام ودمويته المتغطرسة، باسم تسطيح المقاومة.

ختامًا، أقتبس مما قاله المعارض الوطني السوري د. هيثم منّاع، في مقابلة أخيرة لقناة “الميادين”: “الحلّ السّياسي هو المخلّص الوحيد للمجتمع السّوري ممّا يمكن تسميته بالحرب القذرة، لأننا لم نعد في قيم ثورة، ولم نعد في قيم دفاع عن دولة. هناك عصابة تضرب في الناس وهناك أناس يردّون أحياناً بنفس الوسيلة، وبالتالي خرجنا من كل القواعد”.