صدّقوها إن حدّثَتْكم عن الحرب!/ علاء حليحل

قراءة في ديوان “لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب” للشاعرة أسماء عزايزة * مشروع عزايزة الشعريّ يبدو سيزيفيًّا ومنافيًا لأيّ “منطق” ترويجيّ أو دعائيّ في هذا الزمن “الشبكيّ” الذي لا يحتمل من الشِّعر إلّا ما خدم “القضية” أو اعتاش على فتاتها، ذلك الذي يحصد المشاهدات للفيديوهات المُحابية في يوتيوب. وكم جميلٌ أنّها تُصرّ على ذلك!

صدّقوها إن حدّثَتْكم عن الحرب!/ علاء حليحل

la

.

|علاء حليحل| 

بعد كلّ صفحة من ديوان الشاعرة أسماء عزايزة الأخير، “لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب” (دار المتوسّط، 2019)، تقترب الحرب زاحفةً ببطء وهدوء، من دون أصوات مدافع أو استغاثات صارخة؛ حرب “خبيثة” ومُخاتلة، تلتفّ حول الرقبة برويّة، تشدّ على منافذ النَفس، تُجبرك على الاجتهاد قليلًا لالتقاطه: “قريتي المسالمة مثل حمامة راقدة/ المستسلمة مثل خروف في مسلخ/ اُنظري كيف جعلتُ منها، على أقلّ تقدير، بروفة أوّليّة لقريةٍ في سوريا” (The Dance of the Soma، ص 7).

وهذا الديوان كلّه مجبول بروائح الحرب والخوف والأجساد المتقطّعة. مرثيّة ظلفة وخشنة، لا عزاء فيها ولا شفقة، ولا حتى موت رئيف يتحقق برصاصة رحمة واحدة. شِعر عزايزة في هذا الديوان ثقيل ولاسع ببرودته المؤذية مثل برودة الجثث، ديوانٌ كأنّه جنازة صامتة تسير في شوارع قرية مهجورة لا يأبه أحد بالجثمان أو حامليه، لا يذكر فيها أحدٌ اسم الله. مزيج بين الخاصّ (قريتها) والعامّ (قريتنا)، يراوح بين الفقد والفجيعة باستعاراتها الترابيّة بالغة الدقّة والتشخيص: “أشجار اللوز ماتت في غرف عمليّات القلب، خيول الأعراس أغشت عيونها بالحناء، وانتحرت/ لم يُطهّر أحدٌ عرقي/ لكنّ النخاع الشوكيّ في ظهر الجبل انسكر، فانكسر حظّي في أن نصعده معًا، وأن ننظر إلى خُطى المسيح على البحيرة، ونُقلّدها” (لم أصدّق أنّني سأتعلّم يومًا أن أموت، ص 11).

الحرب في شِعر عزايزة حاضرة في جسد الشاعرة وأعضائها (البطن، الأحشاء، الرحم، العينين…)، كأنّها مسألة شخصية، مرضٌ يصيبها هي وحدَها (حساسية الشعراء المفرطة!)، فيستحيل جسدها ساحة وغًى وصراعٍ: “أتعلّم الدرس الأول/ أنّ الجمجمة المهشّمة في الملصق جمجمتي/ وأنّ الدم فوق قميصي/ إنّما دمي” (لم أصدّق أنّني سأتعلّم يومًا أن أموت، ص 13).

أسماء عزايزة

أسماء عزايزة

يفرض هذا الديوان نفسه بقوّة كمُقترح أدبيّ-جماليّ مؤلم ليوميّات حربٍ لم تصلْنا منها شظية واحدة. الديوان كلّه شهادة غير مرئيّة، تأويلات لما ندّعي أنّنا “نراه” عبر الشاشات والبوستات وسيل البصريّات الذي يريد إقناعنا دائمًا بأنّنا نرى “الحقيقة”. لكنّ عزايزة ترفض هذه “الشهادات المباشرة” وتكتب سخريتها الكَلَبيّة كشهادة من مصدر أوّل على الحرب: “نحن/ لا نُلدغ من خيمةٍ مرّتيْن” (جرعة زائدة، ص 20). في قصيدتها الحادّة كنصل شفرة صدئة فائض كبير من الحزن، جرعة زائدة من عدم القدرة على ممارسة الحزن وعلى البلادة. وحتى في القصائد التي تنزع نحو “الحبّ” يبدو هذا الحبّ مَوْءودًا ومُختلًّا ومعاقًا: “غرقتُ يومًا في جيوبكِ الداخليّة، ولم أنجُ/ بلعتْني الثقوب السوداء، إلى أن أشفقت عليّ الحياة…” (مترو، ص 30). حبٌّ هو عبء ثقيل ومريع، بارد ومُثلج وعقيم: “الحبّ والوَحدة توأمان من بويضة واحدة/ الحبّ ينام مُطمئنًا في سرير البلادة” (محاولات لفهم الفزع من التكاثر، ص 49).

وفي قصيدة “أخبار عاجلة” تسجّل عزايزة ذروة الاغتراب والغربة، تلك القطيعة بين ما تأتي به الشاشات وانتفاء القدرة على مشاهدتها حقًا (“ماتت شاشة التلفزيون”). الموسيقى (دييجو سيغالا، الموسيقى الأيرانيّة، فيروز…) تضحي ريكويام خافتًا وباهتًا، ويتغلغل الموتُ إلى الأحلام قاضيًا على أيّ مساحة ممكنة للهروب (“تحوّلت أحلامي إلى وكالة أنباء”، ص 38).

تتفاوت قصائد هذا الديوان في متانتها الفنيّة، كأيّ عمل أدبيّ كهذا، لكنّ الشعر فيه عمل شاقّ لأنّ الشاعرة تعتذر عن كلامها عن الحرب وهي لم تعشها: “لا تصدقوني إذا حدّثتكم عن الحرب/ لأنّي أتحدّث عن الدم وأنا أشرب القهوة، وعن القبور وأنا أقطف الصفّير في مرج بن عامر، وعن القتَلَةِ وأنا أمعن النظر في قهقهة الأصدقاء، وعن مسرح محروق في حلب وأنا أقف الآن أمامكم في هذا المسرح المكيّف” (لا تصدقوني إن حدّثتكم عن الحرب، ص 27).

الحرب مسألة شخصيّة. مسألة تتحوّل فيها الشاعرة إلى جثة تطير منها الغُربان، وإلى مشروع موت من دون أبواق القيامة. هي حالة مستعصية من البوست تروما، كارثة مجلجلة من دون صوت، قنبلة موقوتة تنفجر على مهل وبعناد، تقتل الأخضر واليابس ولا تقع عمارة واحدة في حيفا أو مرج ابن عامر.

قصائد تتوالى في ديوان شعريّ “نحيف” لكنه مُفجع، تمامًا مثل أفكار وخيالات الشعراء: “هل يحزن الشعراء لضرورة شعريّة؟/ إذن، لماذا تبدو قصائدهم أشدّ حزنًا منهم؟” (الحزن الذي دون سبب، ص 82). شعر يحاول أن يُلخصّ تجربة جيل “العالم المتلفز الصغير”، بقدراتنا اللانهائيّة على الإبحار في الشبكة من دون أن ننجح ولو لثانية في تبيُّن ما نراه حقًا. جيل ينهل من الكذب ويُصدّق أنّه شرط من شروط الحياة المعاصرة كقنينة المياه الغازيّة مع الإسبريسو المُرّ بإتقان: “المهمّ/ ليست مشكلة الشعراء في أنّهم كذّابون، المأساة في تصديقهم الأعمى/.. كالمذابح” (استعارة، ص 92).

كدأبها منذ سنوات تكتب عزايزة شعرًا منافيًا للخطابة والمنابر الحماسيّة والخُطب المزركشة بتفعيلاتٍ وقوافٍ. مشروع يبدو سيزيفيًّا ومنافيًا لأيّ “منطق” ترويجيّ أو دعائيّ في هذا الزمن “الشبكيّ” الذي لا يحتمل من الشِّعر إلّا ما خدم “القضية” أو اعتاش على فتاتها، ذلك الذي يحصد المشاهدات للفيديوهات المُحابية في يوتيوب. وكم جميلٌ أنّها تُصرّ على ذلك!

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>