أللهم لماذا لا تستجيب؟/ سلمان ناطور

|سلمان ناطور|

سلمان ناطورلم يترك لي علاء حليحل منفذا للتهرب من طلبه بأن أكتب صلاة استسقاء للخلاص من حالة القحط والمحل والجفاف التي تعاقبنا بها السماء. وهو يعرف، حق المعرفة، أنني لا أصلي ولا أتوسّل ولا أخاف إلا من لدغة الأفعى وطعنة الصديق، ولا أرفض له (لعلاء) طلبا لأنني أحبه وأقدّره صديقًا ومبدعًا وحاولت الإفلات منه بحجة الانشغال بكتابة نهاية لرواية جديدة تستحوذ على كل هواجسي، لكن أصابني في الآونة الأخيرة ما أصاب طقس بلادنا من انحباس وجفاف فما تقدّمتُ في الكتابة، خلال أسبوع، أكثر من سطريْن، وصار يبدو لي أنني بحاجة لصلاة استسقاء لكي يأتي عليّ الوحي وأنجز ما بدأته قبل عاميْن في كثير من العناء والمعاناة.

ولما كانت الرواية عن الخرافة والخريف، خرافة الشرق وخريف العمر، فقد وجدتني أستعيد من ذاكرتي ما كنت قرأته من خرافات (استعدادًا للكتابة) ومنها الاستسقاء والاستجداء لكي تمطر السماء واضعة حدًّا للجفاف، وها أنا أعود إلى الخرافة لعلها تنهي جفافي الكتابيّ وأضع نهاية لسيرة امرأة ظلمتها الحكاية.

أللهم أنزل عليّ الوحي لأخلص هذه المعذبة من خريفها وبالمناسبة أنزل علينا المطر لا لتخلصنا من الجفاف فحسب، بل من الغيب والتمسّك بحبال الهوا لأننا صرنا أمة شقق القحط أرضها وعقلها وحلمها وكرامتها.

وضع المصلون اليهود الله أمام خيارين: إما أن يسقط المطر وإما أن يُسقط الطائرة. ولكي لا يُتهم الله باللاسامية أنزل مطرًا غزيرًا

عندما كنا صغارًا ولمّا يتأخر الوسم كنا نتوسّل “لأم الغيث” فيجتمع صغار الحارة ورجالها ويندفع أحدهم بأن يكون “القرندس”، وهو مهرّج يقوم بأدوار مضحكة، عندما نلف من بيت إلى بيت ونجمع التبرعات لنضعها في المقام المقدس علّ السماء تمطر لقاء حفنة قروش. “يا إم الغيث غيثينا، دَلي الكُوز عَالجّرة. زرعنا شكارة في الدبّه، ما طلع ولا حبّة”. ما كانت السماء تستجيب، وما كانت تستجيب عندما كان أهلنا في الجاهلية يستغيثون “الرعينة” التي حلت محل آلهة المطر التي كان يصلي لها أجداد أجدادنا الكنعانيون والأشوريون: عشتار وأنانا، بأن يسكبوا الماء على تمثال امرأة من خشب وهم يصلون ويتذرعون. وكما جاء في المصادر ما كانت السماء تستجيب. ويبدو أنّ صلاتنا نحن العرب غير مستجابة (وإلا كيف نفسر هذه الحالة التي نحن فيها؟).

قبل أربع سنوات استجابت السماء لصلوات وأدعية خمسين امرأة من نيبال خلعنَ ثيابهن تمامًا عندما تأخر الموسم وخرجن إلى حقول الأرز الجافة وحرثنها عاريات. ويقول الخبر في الجريدة إنّ السماء غمرت الأرض بمطر غزير. وفي أرض جفاف ليست بعيدة عن هناك قام أهل قرية في الهند بتنظيم عرس لحمار وحمارة وقاموا بكلّ طقوس العرس ولبست الحمارة فستانا أبيض ووضعوا على رأسها إكليل ورد ولبس العريس أجمل الثياب وغنوْا ورقصوا وتناولوا طعامًا فاخرًا رفقة العريسين، ولما أطلقوا سراحهما في الحقول ليتمّما فرحة الزواج وتفرّق “المعازيم” انفتحت أبواب السماء. وفي قرية هندية أخرى زوّجوا ضفدعًا على ضفدعة ولم تخيّبهم السماء.

فلماذا نحن العرب نستسقي ونستجدي ونركع وننحني ولا تستجيب السماء؟

قبل عامين أو ثلاثة (لا أذكر) انحبس المطر في البلاد على اليهود وعلى العرب. صلينا وما انفتحت وصلى اليهود عند حائط البراق وما انفتحت، فركب حاخاموهم طائرة وحلّقوا في السماء وصَلّوا وهم في الطائرة. لقد قرروا أن يصلوا في عقر دارها، أينما تتجمع الغيوم وفي مكان ليس لهم -كما يليق بمستوطنين- ووضعوا الله أمام خيارين: إما أن يسقط المطر وإما أن يُسقط الطائرة. ولكي لا يُتهم الله باللاسامية أنزل مطرًا غزيرًا.

أللهم خلصنا من هذا الجفاف وأنزلْ علينا الوحي لإنهاء الرواية كما أنزلته علينا لتلبية طلب علاء حليحل.

إنك سميع مجيب.


إلى باقي المشاركات