بين البرّ والبحرِ هوية مشروخة!/ مرزوق الحلبي

18 فبراير 2017
مشهد من "بر- بحر". من اليمن: شادن قنبورة؛ سنا جمالية وسمر قبطي

مشهد من “بر- بحر”. من اليمن: شادن قنبورة؛ سنا جمالية وسمر قبطي

|مرزوق الحلبي|

مرزوق الحلبي

مرزوق الحلبي

أتابع ما يُكتب عن فيلم “برّ بحر” من نقد وملاحظات وقراءات لأجدها مُثيرة وتشكل كلها مع الفيلم “case study” جديرا بوقفة متأملة. ولو كنتُ مدرِّسًا للميديا في مدرسة ما، لحوّلت الفيلم والنقاش حوله إلى مادة تدريسية لفصل دراسي كامل. مادة في فن السينما وفنون المرئيات ومادة في علم النفس الاجتماعي ومادة في تدريس الهوية ـ الفردية والجمعية، ومادة في فن السجال ومادة عن الثقافة العربية هنا ومواد في حقول أخرى متفرّعة. فالفيلم، كما يبدو، أصاب مقتلا من الثقافة التي تتبلور هنا أو أنه أتى في زمن صعب بالنسبة لجماعة مخذولة أصلا، تتعرّض لهجمة شرسة في المستوى الرمزي والعملي من حكومة يمينية رفعت مستوى المواجهة اليومية حدّ القتل وهدم البيوت. من هنا ألمس صعوبة شديدة لدى البعض في ملامسة هُوية الذات المكلومة أو قضاياها الداخلية أو رؤيتها على حقيقتها، وبالأساس في ضعفها. فهي في أقلّ تقدير هوية ـ في ضوء الفيلم ـ مأزومة على غير ما يتخيّلها هذا البعض (وكل هُوية متخيّلة) ويتمناها ويروّج لها. فهي، حسب الفيلم وما ذهب إليه، ليست كاملة ولا تامة، ولا هي أخلاقية ولا هي مُنسجمة في رباطها الداخلي ولا هي مُقتدرة كما يتمنون.

ومن هنا رفض قطاعات في مجتمعنا للفيلم، وه رفض لا يعكس وجهات نظر أو آراء بقدر ما يعكس عُصابا هويتيّا. فالفيلم ـ حسب المعبّرين عن هذا العُصاب لا يمثّل مجتمعنا بل يشوّه صورته.  أو أنه يُحدث إساءة للمجتمع أو لأم الفحم أو للطيبة أو لغيرهما. أو أنه يتبنى رؤية المجتمع اليهودي القاهر المستعلي لمجتمعنا، أي أنه فيلم ينهل من نظرة استشراقية. وهذا الادعاء يفترض أن المُخرجة وقعت في فخ الاستشراق وقرأت حال مجتمعها كما تقرأها السلطة التي موّلت الفيلم جزئيا أو كما يقرأه مانحو الجوائز للفيلم ومُخرجته. وذهب بعضهم أبعد فنظّروا للسينما باعتبارها أداة هيمنة تستعملها السلطة و”تحكمنا” بها، وأن الفيلم نموذج لذلك.

لن أناقش الادعاءات تفصيليا بقدر ما أقدم قراءتي للحالة التي أعتقدها خلفية مُثلى لمثل هذه الادعاءات. فالفيلم كشف في ردود الفعل التي أثارها أكثر مما في مشاهده حالة هويتية متوترة. فردود الفعل التي كُتبت كمقالات ومداخلات على الشبكات إنما تشير بوضوح إلى هوية عصبية تدافع عن نفسها على عدّة مستويات. في أولها أنها ـ ردود الفعل النابعة من عُصاب الهُوية ـ جاءت من هوية متخيّلة كاملة وتامة ومِثالية لا تعتريها شائبة تقول “لا يُمكن أن نكون كما يصورنا الفيلم” وعليه فإن الفيلم يشوّه هويتنا وأخلاقنا ومجتمعنا وصورته المُشرقة! في ثانيها ـ تعكس هُوية مهزوزة أو غير واثقة من نفسها غير قادرة على أي نوع من التأمل في الذات ونقدها أو تأنيبها أو الإقرار أن في زيتها عكر. خاصة أن مثل هذه الردود اقترنت دائما بنفي وجود الصور والنماذج والتمثيلات التي صورتها المشاهد والحوارات في الفيلم، أو بالحديث عن الآخر الذي يُريد أن يشوّه صورتنا أو أن يُقنعنا بأن صورتنا على هذه النحو المأزوم أو المتخلّف، وأن الفيلم صُنع خصيصا لهذا الغرض. وهنا بالتحديد، يأتي المستوى الثالث من إشكال الهوية وهو عدم فهم الذات إلا من خلال وجود الآخر. وهي حالة متطورة من القهر والوعي المأسور بهيمنة الآخر وحضوره الوجودي في هويتنا. كأنهم عجزوا عن رؤية الفيلم بمعزل عن الآخر. حسب هذه الحالة ـ لا يستطيع “العربي الحقيقي” “المُخلص” “الوطني” أن يقول عن نفسه ما يقوله الفيلم عنّا. وإذا قال فلأنه “عبدا” لنظرة الآخر وممثلا له ولروايته عن مجتمعنا. أو هو في أحسن الأحوال لم ينتبه لكونه أسير ثقافة الغرب عن الشرق أو المجتمع الكولونيالي اليهودي عن المجتمع العربي الفلسطيني هنا. وهكذا ـ يكون الفيلم، حسب بعض الأخوة والأخوات، قد أخرجته مُخرجة عربية لكن بعيون يهودية سلطوية. إن في هذا الحُكم نفي لقدرة المُخرجة ميسلون حمود (أو أي عربي آخر) أن ترى نفسها ومجتمعها بعيونها نظرة تأمّل ونقد. وفيه، أيضا، نفي لاحتمال أن تمتلك المخرجة معايير وأحكام ذاتية ترى بها نفسها والعالم، وأن يكون لها قدرة على النقد وقول “لا” لمجتمعها، وأن تكون مستقلة في ذلك عن الآخر متحررة منه ومن هيمنته. القول بهذا النفي ـ نفي قدرتنا كأفراد وجماعة على الانفصال والاستقلال من هيمنة القاهرين ـ هو درجة مرَضِية من القهر واستبطانه.

مثل هذا الاعتقاد يُترجم في كثير من الأحيان إلى ثنائيات لا متناهية تتوالد من فكرة العبد/التابع والسيد أو فكرة المُستعمِر والمستعمَر وتمتد لتشمل الحياة بكل تفاصيلها ـ الهوية واللغة والسياسة والحب والفن وسواها. فإن لم تكن عبدا كنتَ سيدًا. أو إذا لم تكن في صفّ المقهورين فأنت في صفّ القاهرين بالضرورة. هذه بُنية ذهنية قهرية بامتياز لأنها تستبطن العجز وعدم القدرة على شيء، وهو ما يقوله القاهرون عن المقهورين (نبوءة تحقق ذاتها) ولأنها تتحول في العلاقات الداخلية إلى بُنية قمع وإقصاء ومحاكم تفتيش لا تسمح بسريان قانون النفي في هوية الجماعة المتخيلة ولا تُتيح السؤال ولا الحوار. قمع، ذروته التخوين وانتهاك الحق في الاسم الطيب. أن تنفي قُدرة أولئك الذين مثلك على ممارسة النقد الذاتي على الملأ وأن تنفي عنهم هويتهم، وأن تتهمهم بـ”العمالة” أو “خدمة القاهر” أو تبني روايته وثقافته لمجرّد جرأة أدبية وفنية وأخلاقية يتمتعون بها تجاه الجماعة التي ينتمون إليها ـ فهي ذروة من ذُرى الإحساس بالدونية والقهر حدّ القول بأن المتحررين فعلا في مجتمعك وأولئك الذين يحققون حرياتهم هذه من خلال تضحيات شخصية ومواجهات مع الهيمنة ومبانيها أو بالدراسة والتجربة والمعرفة والجهد لا يعدو كونهم ثلّة من “المتعاونين” و”خُدام” السلطة! حسب منطق المصابين بُعصاب الهُوية: ما دام انتقدوا الذات الجمعية وكشفوا عوراتها ولم يخافوا من عيون الآخر وحضوره ورؤيته لمواطن الضعف والعفن والقصور ـ فلا بدّ أن يكونوا شركاء لهذا الآخر على محور ممتدٍّ من زاوية نظره للظاهرة حتى وقوع مؤامرته علينا! هكذا يحاول البعض أن يتعامل مع مُخرجة الفيلم و”ثلّتها” من ممثلين/ات ومؤيدين للفيلم ولضرباته العنيفة على جدران الهوية المهزوزة! يفترضون أن الهوية حصنا مُحكم الإغلاق فإما أن تكون داخله أو خارجه علما بأن الهويات تتعافى عندما تنفتح نحو الخارج وتتعدد في الداخل.

مثل هذه الرؤية تعني أن رائيها قد استبطن قاهره تماما حدّ العجز عن الفِكاك منه ومن صوته الآمر أو حدّ العجز عن رؤية ذاته بذاته. فالذي يفترض أن القاهر موجود في كل شيء وفي كل مكان وكل زمان حتى الأكثر حميمية للفرد، وأنه يحدّد الأشياء والمصائر ويقرّر في الجماع ومواعيده وحالة الطقس وشدة انعكاس الصورة في المرايا ليس غرابة ألا يرى أي منفذ للخروج عن طاعته وسيطرته. أما إذا تمّ الاستقلال عنه وامتلاك قدرات للتأمل والحُكم وصُنع السينما وحمل مقولة وامتلاك صوت واضح فهي حتما بإذن من القاهر وبمباركته ولخدمته في نهاية النهار! أصحاب هذا النسق من التفكير والممارسة، يعيشون حالة ضدية مُطلقة للقاهرين. محاولة نفسية رمزية لنفي وجود القاهرين بالتحوّل إلى نقيض أصولي لهم. وهي حالة تؤدي بأصحابها إلى رفض كليٍّ للقاهرين وما قد يكون طيفهم أو صوتهم. ومن هنا، إذا حصل وأثنى أحد ما أو جهة في المجتمع اليهودي على الفيلم فإن ذلك سيُحسب ضد المُخرجة ورسالة الفيلم. وستكون “حجة دامغة” على أن الفيلم يخدم أجندة الآخرين أو يتطابق مع روايتهم.

إن حصول ميسلون حمود على دعم إسرائيلي للفيلم سيظلّ بالنسبة لهؤلاء دليلا قاطعا على ما ذهبوا إليه. ولن يشفع لها حقيقة وجود بعض حيّزات مدنية يتحرك الفرد منا فيها بحرية حتى الآن. أو لن يشفع لها حقيقة أن الدعم هو حقّ لها ولنا وأنه قليل متوفر من كثير حُرِمنا منه حتى الآن. لكن باعتقادي أن الكلب مقبور في مكان آخر وهو أن أوساطا بيننا انكفأت من لا يقينية ما بعد الحداثة إلى يقينية المناهج الشمولية في فهم الوجود والهوية. فهويتهم تامة ومثالية لا يرقى إليها شك. فأصرّ البعض على رفض أن تكون النماذج والشخصيات التي عرضها الفيلم نماذج من الواقع ـ وهو رفض كان بالنسبة لي مستهجنا وإن فهمت منابعه التي تُدين بـ”المجتمع المُسلم” الخالي من هذه التشويهات أو بـ “المجتمع العربي” السَمِح والطيب. ويصير تصوير الهوية على أنها مثالية وتامة ضرورة في واقع تُحاول السلطة الإسرائيلية فيه إنتاج تمثيلات شيطانية لهذه الهوية ودمْغها في بُعدها الأخلاقي والحضاري بوصفها متخلّفة أو في مرتبة أدنى. مثل هذه الطريقة في التفكير والتفسير تستند إلى شمولية ويقينية مُطلقة تقوم على ثنائية الخير والشرّ متجسدة في التابع والسيّد والقاهر والمقهور. وهي حالة تنفي وجود خانات أو مواقع أخرى. وهو نفي ينسحب على أصحاب هذا المنهج من حيث لا ينتبهون من كونهم هم، أيضا، أسيادًا أو تابعين. وما داموا ليسوا أسيادا فهم تابعون بالضرورة. لكن ما داموا لا يستطيعون ممارسة أي نوع من السيادة مقابل الآخر فهم يُمارسونها إلى الداخل. يُشيْطنون بدورهم أناسا بينهم بسبب من اختلاف رأي أو منهج فكري ويصِمون ويُقصون ـ وهنا، الفيلم وما يُمثّله. يقينية تتحول في الممارسة الذهنية إلى حلقة تقبض الروح وتكرّس القهر. أما التحرّر فيتمّ الحديث عنه بوصفه قلبًا للمعادلة وتبديلًا للأدوار مع القاهر. فهم يصرّون على العيش كنقيض له وليس كبديل لوجوده ولما يُمثّله في سياساته من عنف وقمع وسيطرة. في هذا، يكون القاهر قد نجح في صناعة نسخ عنه فينا ـ أناس يتوقون إلى القهر والسؤدد والهَيمنة وامتلاك القدرة. وما داموا لا يستطيعونها في الواقع فإنهم يفعلونها في الخيال من خلال اعتماد مناهج اليقين الفكري التي تساعدهم على إعادة بناء عالمهم الهويتي والإدراكي والقِيَمي المتوتّر أو المتداعي، وفي تنظيم العالم من جديد بشكل يُعيد إليهم كمقهورين بعض الطمأنينة. وهي طمأنينة المكوث الأبدي في خانة الضحية التي ألفت وضعها وترفض أن تخطو منه ولو خطوة واحدة. وهي حالة معروفة في الأدبيات التي تتحدث عن المجتمعات المقهورة التي تعالج القهر الواقع عليها من الخارج بتعميق حالة القهر كأن تذهب في وضعية الضحية إلى آخرها أو أن تردّ كل ما يحصل في داخلها إلى الآخر أو قوى غيبية وأيدٍ خفية إذ لم تكن أيدي القاهرين فأيدٍ أخرى مماثلة أو تتحرك بأمر منه. ومن المعروف أيضا أن في المكوث داخل حيز الضحية يمنح الضحية شعورا بنوع من التفوّق الأخلاقي على الآخر. وتتطور الحالة أحيانا إلى إحاطة الذات الضحية برتوش وتهويمات حدّ القداسة الذي لا يجوز بعده “التطاول” على شعبنا و”جلد الذات” وإضعاف الروح الوطنية والانتماء لأن القاهرين هم المستفيدون وهم الذين يسعون دائما إلى ذلك! إنه الهروب من القهر إلى أعماقه. لكنهم في حالة الهروب هذه لا يترددون في وصم الأحرار الذين قرروا مواجهة الواقع القهري بنظريات التحرر وبفعل تحريري حواري يبدأ بأنفسهم ويشمل القاهرين، أيضا.

0 تعليق على “بين البرّ والبحرِ هوية مشروخة!/ مرزوق الحلبي”

أضف تعليق