البرابرة/ أفنان القاسم

كان بربريًا دون أن يعلم/ الرجال هم هكذا قبل أن يصبحوا رجالا/ الغثيانُ له طعمٌ آخر/ طعمُ التوتِ المدمى/ والنبيذِ الحامزِ بعدَ قبلةٍ مغتصبة

البرابرة/ أفنان القاسم

 

| د. أفنان القاسم |

 

د. أفنان القاسم

(1)

تعالي معي يا ابنتي

سنذهبُ معًا إلى البحر

إلى رمالِ الوقت

سنذهبُ معًا إلى الدغل

إلى مستنقعاتِ الموت

سيأتيكِ البرابرةُ بالحلوى

فقط تعالي معي

فالوردُ شرسٌ يا ابنتي

وللذئابِ دمعٌ أحرُّ من دمعي

فقط تعالي معي إلى بدايةِ نهايةٍ لم تبدأ بعدُ

إلى نهايةِ بدايةٍ لم تنتهِ

فقط تعالي معي لنلعبَ قليلاً بدمي

لنتسلى قليلاً بألمٍ بربريّ 

فالبرابرةُ بشرٌ مثلنا

يقولون لأطفالهم كلماتٍ يقولها كلُّ الآباء

ولهم عاطفةٌ تقطعُ كالخَنجر

قلوبُهم أرأفُ من قمرٍ وحشيّ

وصدورُهم أوسعُ من صحراء لا نهاية لها ولا بداية كمرآةٍ من الرمل

كبرقٍ من الذهب

كشعرِ أختِكِ المُنسدل

كقبرٍ من الماس

وحنانُهم كنصلْ

لٍ

ينغرسُ بِوُد

وحبُهم أعمقُ من كلِّ البحار

تعالي معي يا ابنتي إليكِ عندما كنتِ صغيرة

دميتُكِ تبكي لأنكِ كَبِرْتِ

دموعُها باردة

دموعُ دُمية

ولكنها أشدُّ سخونةً من دمعي الذي تجمَّدَ على خدي

لأني لم أبكِ أبدًا إلا مرةً أو مرتين

كالبرابرة

ولأني لم أضحك كثيرا

ضَحِكَ البرابرةُ مني

وأنا لم أضحك كثيرًا من الرعب

في العالم الذي سآخذُكِ إليهِ لا يضحكُ الناسُ كثيرا

كالبرابرة

ولا ينامونَ تحتَ قمرٍ يهددُهُم بجماله

كالبرابرة

ولا يحلمونَ كما يحلمُ الناسُ عندما كانوا صغارا

كالبرابرة

في العالم الذي سآخذكِ إليهِ توجدُ أضواءٌ هنا وهناك

تَضيءُ في الظلامِ هنا وهناك

تُضيءُ بقعًا من الدم

بحورُ الدمِ سوداء

أكثرُ سوادًا من ماسةِ الضمير

الضميرُ أسودُ

أسودُ من ليلِ البرابرة

وأنتِ لا أعرفُ كيف تحبين ليل البرابرة

ألأنكِ لا تعرفينَ بعدُ ما الأرق

وعدمَ النوم؟

ألأنك تنامينَ مِلءَ الجَفن

ولا ترينَ ما يفعلُ البرابرةُ في الليل؟

قمرُهُم أسودُ

وليلُهُمْ دَمِي

سفحوا لي دَمِي وأنتِ تنامينَ مِلءَ جَفنيكِ

ألم تكبري؟

ليس للانتقامِ أريدُكِ أن تكبري

وإنما لمسحِ جرحي بكفكِ

جرحي يكبرُ

وعما قريب سيسقطُ فيه العالم

أينهم أولئك الذين قتلوني يوم يسقطون في دمي

يوم يموتون غرقى في دمي

ساعتئذٍ سيعرفون أن الحياة ليست سوى فرصةٍ ضائعةٍ أو منسية

أو ذهبت كموجة

متخثرةٍ كدم

ساعتئذٍ سيعرفون أن الوجودَ متعةُ اليأس

ولَذَّةُ السأم

واشتهاءُ ثديٍ بارد

ساعتئذٍ سيعرفون أن البربريةَ صفةٌ لأناسٍ ظنوا أنهم كانوا أبطالا

بطولةُ البرابرةِ يا ابنتي ابتسامةٌ كانت على ثغركِ

ساعتئذٍ سيعرفون أن الطفولةَ في زمننا ولدتها الشراسة

جوهرُ الأشياء

ساعتئذٍ سيعرفون أن موتَ شقائقِ النعمان تراجيديا

ساعتئذٍ سيعرفون أن التراجيديا من صنعِ يديّ

لأني صانِعُهَا المجنون

قاتلُ نفسي أنا

وقاتلُ صِنوي

ساعتئذٍ سيعرفون أن الفكرةَ سيدةُ الدمِ لا الدمَ سيدُ الفكرة

وأن الفكرةَ اليومَ رأسُ طائرٍ مختنق

ساعتئذٍ سيعرفون أنهم يجهلون قدرةَ الحشراتِ على الدفاعِ عن نفسِهَا وجبنَ الأسودِ أمامَ النملِ وذلَّ الفهودِ وخِسَّةَ النسورِ وصدقَ الأفاعي ولا وفاءَ الكلابِ وهمجيةَ القُبّراتِ ووحشيةَ البلابلِ وبَطْشَ الأرانبِ وسذاجةَ الذئابِ التي هي مثلي، فأنا لم أكن أعرفُ والآن أعرفُ أني ذئبٌ ساذج!

(2)

تعالي معي يا ابنتي

سنقتلُ الورود

الورودُ كثيرةٌ على الروابي

لم يقتلْهَا البرابرة

هكذا ترتاحُ العينُ منها

ومن ألوانِهَا المتنافرة

تعالي معي يا ابنتي إلى مطاردةِ الظباء

سنغرسُ الرماحَ في بطونِهَا

تمامًا كما يفعلُ البرابرة

ةُ

ببطونِ النساء

التي لم يعودوا يُحِبونها

لكننا سنكون أرحمَ لها من يدٍ قاتلةٍ لا ترحم

يدُكِ يدٌ طفلةٌ يا ابنتي

ويدي يدٌ شاعرةٌ تدلل الكلمات

تعالي معي يا ابنتي

هناك سمكٌ كثيرٌ في البحيرة

سنصطادُهُ كلَّهُ في الليلِ والقمرَ معه

فالقمرُ بربريٌّ يحبُّهُ الأطفال

ثم نطلقُ القمرَ والسمكَ في الساحات

لنخنقَ الليلَ على طريقتنا

ويغضبَ البرابرةُ منا

لأننا ارتكبنا جنحةً كبيرة

هم لا يقدرون عليها

جنحة اسمها الحرية

(3)

في المدن أضواءٌ كثيرةٌ يا ابنتي

لم يفكرِ البرابرةُ في إطفائها

قبلَ نومِهِم

والنوافذُ كلُّها مفتوحةٌ في الشتاء

لم ينسَ البرابرةُ إغلاقَها

قبل أن يأخذوا المِصْعَدْ

دَ

إلى متحفِ الرياح

في الطرقاتِ سياراتٌ كثيرةٌ يا ابنتي

واقفة

ذهب سائقوها إلى موعدٍ مع البرابرة

ولم يعودوا

وعلى الأبوابِ أيادٍ معلقة

بعد أن تركها أصحابها تطرق الأبواب

وذهبوا

في الحاناتِ أناسٌ يشربون ولا يثملون

يا ابنتي

لا كما البرابرة

لكنهم لا يعرفون

طريقَ العودةِ إلى بيوتهم

أنا أشربُ كالبرابرةِ وأثملُ

وأعرف طريقَ العودةِ إلى البيت

لأنني أعلمُ أنكِ لن تنامي

وأنتِ بانتظاري

(4)

ماذا سنفعلُ غدًا إذا ما تواصلَ سقوطُ المطرِ يا ابنتي؟

ماذا سنفعل؟

لن أطلبَ من البرابرةِ أن يوقفوا المطرَ لأجلِكِ

فالمدرسةُ ليست سببًا كافيا

ولن أضرعَ للسماء

كيلا أبدو سخيفا

لن أتلفنَ لصديقٍ يسكنُ اللُّدَ أو الخليل

ليأخذَكِ بسيارته من مارسيليا

ولن أحرقَ أثوابَكِ ذاتَ الألقِ المريحْ

حِ

للعين

لرجالِ المطافئِ وكلُّ هذا المطر

الحريقُ ليس سببًا معقولا

المطرُ يسقط بغزارة

وها أنت تبتسمين

فأرى في ابتسامِكِ ابتسامَ البرابرة

وأقول لنفسي بعد قليل

سيتوقفُ المطرْ

رُ

بعد قليل

فلا تكونينْ

نَ

كغيرِكِ ممن يكرهون الذهاب إلى مواخير العلم

والتدجين

ويحبون الابتسامَ بوحشيةْ

اللبؤات تبتسم هل تعرفين؟

لما تلعقُ الدمَ

وتمزقُ اللحمَ بأسنانها

فهل أنت لبؤةٌ دون أن أعلم

بربريةٌ كدغل

مفترسةٌ كمعلمة

حديديةٌ كسيمفونية

من المعادنِ المصقولةِ والنوتاتْ

تِ

المعتقلة؟

المطرُ لن يتوقفَ

وأنت لهذا سعيدةٌ كرماح

كأسطواناتٍ يرقصُ عليها الناسُ في الجحيم

كي ينسوا نارَ البرابرة

كنجومٍ لا تُرى عن مقربة

كقناني النبيذِ الفارغة

الملقاةِ على ضفافِ السين

كالطاولاتِ المنتظرةِ على الأرصفةِ الممطرة

كالقصائدِ في الدواوينِ المغلقة

أنتِ لهذا سعيدةٌ كالمطرِ في البندقية

كدمعِ النائحةْ

ةِ

المتساقطِ في المرايا

المتساقط

المتساقط

المتساقط

إلى ما لا نهاية

(5)

أوقفي العزفَ على الناي يا ابنتي

البرابرةُ يحبونَ الألحانَ الحزينة

الدنيا امتلأت بالتغريد

والأشجارُ خلعت أثوابَهَا القديمة

أوقفي الرسمَ بالليلِ يا ابنتي

البرابرةُ يحبون الألوان الداجية

الورودُ قهقهت في الأخاديد

والأعشابُ الزرقاءُ مالت زاهية

أوقفي اللعبَ مع الفراشاتِ يا ابنتي

البرابرةُ يحبون الكائناتِ الرخصة

ةِ

العود

الذئابُ جاءت من مدريد

والبحارُ قَدَّمت صيدا وصور

لكِ هدية

أوقفي مشاكسةَ القمرِ يا ابنتي

البرابرةُ يحبون الفضة

الليلُ غدا ذهبا

والنجمُ عقربا

أوقفي الذهابَ إلى البحرِ يا ابنتي

كيلا يحاصرَ البحرُ البرابرة

اتركيهم أحرارًا في طرقاتِنَا

طرقاتُنَا دونهم لا تعرفُنَا

أوقفي قطفَ الزنابق يا ابنتي

الزنابقُ يحبها البرابرة

إذا ما داومتِ على قطفها

تَذَكَّرُوا كرهَهُمْ لنا

أوقفي العبثَ بروحي يا ابنتي

الروحُ سلامُ البرابرة

خذي جسدي لكِ مرتَعَا

واتركي شِعري لهم مُعْتَركا

(6)

لن آخذَكِ معي إلى الحديقةِ يا ابنتي

هناك بلابلٌ تشدو

لأجل أن يطرب البرابرة

وهناك نباتٌ يعلو

لأجل أن يُقَبِّلَ للأفلاكِ أقدامَهَا

وهناك حمامٌ يلغو

عمدا

ليُظْهِرَ البرابرةُ في كلامِهِمُ البراعة

سآخُذُكِ إلى مركزٍ تجاري

يتجاوزُ إلى الغباءْ

ءِ

السذاجة

ستمتطين هناك حصانا

ونشتري لنا بوظة

بينما يمرُّ الناسْ

سُ

ونحن نجلس على مقعدٍ

من أمامِنَا

فتشيرين إلى هذا أو ذاك

وأشير إلى ظلالِنَا

قبل أن تتركَنَا ظلالُنَا إلى عِقابْ

بِ

الوضعِ الذي نحن فيه

شرطُ بقائِنَا

هذه هي حياتُنَا يا ابنتي

بين برابرةٍ مثلنا

نسمعهم يتنادون هنا وهناك

فنتذكرُ أسماءنا

ونقولُ عنها أسماء غيرنا

أسماء لم نفهم ما تعني

تماما

أسماء نراها كما نرانا دون أن نرانا

فالأسماءُ تُرى في الظلام

ظلام البرابرة

(7)

لن آخذَكِ معي على الطريقِ الطويلةِ يا ابنتي

طريقُ البرابرةْ

ةِ

طريقٌ لها نهايةٌ ككل طريق

ليست ككل نهاية

خوفًا عليكِ من الوقوع في اللُّجة

ةِ

التي وقعت فيها

خوفًا عليكِ من التحليقِ في فضاءِ السقوط

دون أن يلتفتَ إليكِ أحد

خوفًا عليكِ من قطفِ زنابق الموت

لتضعيها على قبري

كلُّ هذا مغامرةٌ أنت لا تقدرين عليها

مغامرةٌ بلا عاقبة

دَوامةٌ تجرفُ الناسَ والأحلام

وأحذيةَ البرابرة

وأوهامَ ماركس

وأقراطَك التي لم تشتريها

تجرفُ السفنَ والأيام

ولياليَ بغداد

وفساتينَكِ التي لم ترتديها

تجرفُ كلَّ ما يقبعُ هناك

من سخريةِ قدرٍ ليست متوقعة

تجرفُ حنينَ البرابرةِ إلى عناءِ النفوس

لمّا يترُكُكِ المرءُ وحيدة

لا أحدٌ يسألُ عنكِ

حتى ظلُّكِ لا يسألُ عنكِ

حتى الغبارُ على نعلِكِ

لا يسألُ عنكِ

حتى قطعةُ الجبنِ التي تتركينها لقطتِكِ

لا تسألُ عنكِ

حتى موزعُ البريدْ

دِ

لا يسألُ عنكِ

حتى الصورُ التي لكِ في الفيسبوكَ

لا تسألُ عنكِ

حتى أصابعُكِ المارةُ أمامَ عينيكِ

لا تسألُ عنكِ

الكلُّ لا يسألُ عنكِ إلا بربريةُ الكلمات

يَحْدَبُ عليكِ البرابرةُ على طريقتهم

فتشعرينَ فجأةً أنكِ شيئًا موجودا

شيئًا يتنفسُ الهواء

ليواصلَ الحزنُ على نفسِهِ دون أن يكون ذلك حزنا

وإنما الشعورُ بالانتهاءْ

ءِ

الدائم

وتواصلينَ العيشَ يا ابنتي

ليس كما تريدين

ولكن

كما يريدُ البرابرة

كما يريدُ المحتفِلُ بموتِهِ القادم

تحاولينَ أن توقفي كلَّ شيء

كيلا يمضي الأمرُ سريعا

تحاولينَ أن توقفي الليل

كيلا يتجاوزَ منتصفه

فتكتبينَ قصةً كما يحبُّ البرابرة

قصةً طويلة

لن تكمليها

كيلا يطلعَ النهارْ

في الطريقِ أقدامٌ يا ابنتي

لا أجساد لها

أقدامٌ ليست بربرية

وعلى النوافذِ أثداءْ

ءٌ

لا صدور لها

أثداءٌ ليست بربرية

وبين صفوفِ السياراتِ شفاهْ

هٌ

لا أفواه لها

شفاهٌ ليست بربرية

كل هذا لأنك غاضبةٌ مني غضبَ البرابرة

لماذا تركتُكِ وحدَكِ في بحرِ الوقت

وأنت لم تكبري بعدُ مع الحيتان؟

لم يكن ذنبُكِ ألا تعرفي كيف ترتدين الموج

لم يكن حبُّكِ لأبيكِ كافيا

لم يكن ندمي ندمَ أسماكِ القرشْ

شِ

على الماضي

فلم أكن مَلِكَا

لهذا تعلمي الندمَ قبلَ فواتِ الأوان

وصيري للمكانِ وردة

يسحقُهَا البرابرةُ بأقدامهم دون أن يعلموا

ثم يندمون

(8)

هذا العالمُ الآليُّ سأدخُلُهُ معكِ يا ابنتي

فلا تخافي

سأقضمُ التفاحةَ الآليةَ عنكِ

فلا تتكسرُ أسنانُكِ

وأرتدي فستانَكِ الآليَّ بدلكِ

فلا تتوجعُ أحلامُكِ

وأتركُ حذاءَكِ الآليَّ لظلكِ

فلا تتتالى آفاقُكِ

في حضارةِ البرابرةْ

البحيراتُ لم تقبلْكِ لها أميرة

ةً

وكلُّ الإوزاتِ العراقيةِ آلية

ولا الجبالُ حبيبةً لوشاحها الأزرق

وكلُّ النسورِ آلية

ولا السهولُ فصلاً من فصولها

وكلُّ شقائقِ النعمان آلية

ما العملُ إذن من أجلِ بسمةِ الصباحِ على ثغرِكِ؟

هل أذهب بها إلى فترينة في الشانزلزيه؟

كل الأشياءِ في الفترينات آلية

هل أخبئها بين كفي نافورةٍ في ساحةِ شاتليه؟

كل تماثيلِ الماءِ آلية

هل أتركها في الأوبرا بين مسرحياتِ موليير؟

كل الأقنعةِ آلية

سأحبَُ امرأةً أخرى غيرَ أمكِ

امرأةً آلية

كي أفهمَ معنى الزمنِ الآليِّ في التقويمِ البربريّ

سأغتصبُ ابنتها كي أعيدَ لها إنسانيتها

سأقتلُ زوجها كي أحررَهُ منَ التكنولوجيا

سأسرقُ لوحةً من لوحاتِ اللوفرَ كي أُذكّرَ الناسَ أن هناك متحفًا ليس آليا

سأعترضُ طريقَ الرئيسِ وهو ذاهبٌ إلى الإليزيه كي أكونَ السجينَ الوحيدَ في عكا

سأقودُ مظاهرةً لكلِّ الرجالِ الآليينَ كي يصعدَ القمرُ ليلا

سأجعلُ من عاهرةِ رفضت النومَ مع محركِ رولس رويس عاشقةً كي تموتَ كلُّ الملكاتِ حسدا

الزنابقُ الآليةُ تتكلمُ كلَّ اللغات

إلا لغتَكِ

الطيورُ الآليةُ تقومُ بكلِّ الصلوات 

إلا صلاتَكِ

الثعابينُ الآليةُ تغني كلَّ الأغنيات

إلا أغنيتَكِ

هل تذكرينَ “الغدَ” لما غدوتِ لغةَ الزنابق في الهند

ولم يفهمْكِ المَهراجات؟

لما قمتِ بصلاةٍ للغجرِ في ميامي

ولم تفهمْكِ أثوابُ السباحة الحمراء ذاتُ القطعتين للشقراوات؟

لما غنيتِ وحدَكِ دون المغنينَ الآليينَ في كنيسةِ القيامة

ولم تطرب لك مريم؟

حتى اللهُ في القدس آليٌّ في زمنِ البرابرة

فلنستسلمْ إذن لعدمِ البراءة

ونجعلْ من البرتقالِ الآليِّ متعةَ يافا

لندفعْ عدمَ الحياءِ في أحضانِ من توسوسُ لهمُ الملائكة

في فنادقِ الدرجةِ الأولى

ونمنعْ شجرَ السرو الآليّ في حدائق نيويورك من الغيرة

لنعرضْ عدمَ العدم

ونُعِدْ للمحرابِ الآليِّ الحياةَ في قصصِ الرذيلة

لم يَفُتِ الوقتُ بعدُ وأنتِ لما تزالينَ يا ابنتي صغيرة

والعالمُ الآليُّ عالمُ اليومِ لم يصبحْ

عالمَكِ غدا

سأُبْعِدُ الغدَ عن طرقِ بابِكِ عندَ منتصفِ الليل

وأقاومُ رغبتي في النوم

لكني لن أصمُدَ طويلا

أمام رغباتِكِ البربرية

رغباتِكِ الآلية

(9)

كَبِرْتِ دون إرادتي يا ابنتي

وإرادةِ البرابرة

لم تتمردي لتكبري

لكنكِ كَبِرْتِ

لم تحرقي الدُمى لتكبري

لكنكِ كَبِرْتِ

لم تتعلمي العشق لتكبري

لكنكِ كَبِرْتِ

الأوتوسترادات ملأى بالسياراتِ الذاهبةِ إلى باريس

ولا تكبرُ صفوفُهَا

أبوابُ باريسَ مفتوحةٌ دوما

هل نسافرُ في رحلةٍ للعمرِ تمضي بحديقةِ اللكسمبورغ؟

لم تبحثي عني وأنت في الحيِّ اللاتيني

العيونُ البربريةُ لم تعد تخيفكِ

عيونُ الماءِ في النوافير لم تزل تخيفني

لن أجلسَ على مَقْعَدٍ قربها

سأصعد شارع سان ميشيل لأني لم أزل أحبُّكِ

العيونُ البربريةُ لم تعد تستفزُّكِ

اللوحاتُ في قاعاتِ السوربون لا أحد ينظر إليها

ومنَ الكتبِ تتصاعدُ رائحةُ الحرائقِ التي أشعلها هيغو في القصص

رائحةٌ تذكرني بوادِ الباذان

يوم كنا نحرق قرب مائه أعشابَ الحيرة

حيرةُ ابنٍ كان

واليومَ

حيرةُ أبٍ يجهلُ كيفَ يسيطرُ عليها

ومنَ الكتبِ تتصاعدُ رائحةٌ أخرى

بربرية

رائحةُ كلِّ ملوكِ فرنسا

بينما مراهقٌ أعمى يمارسُ العادةَ السرية

على مقربةٍ منكِ

ويرى فخذَ ماري-أنطوانيت

العارية

الخالقة

الملهمة

المدمرة

كان بربريًا دون أن يعلم

الرجال هم هكذا قبل أن يصبحوا رجالا

الغثيانُ له طعمٌ آخر

طعمُ التوتِ المدمى

والنبيذِ الحامزِ بعدَ قبلةٍ مغتصبة

لا تقولي عني شيئًا لجان-بول سارتر

فهو لا يعرفني

اجعليني شكوى دائمة

لتفهمي

كلَّ أسبابي

لماذا لم أكن أبًا ككلِّ الآباء

لما تكون الكتبُ كلَّ أبنائي؟

اصنعي مني قلمًا بربريا

فأنجحُ في وصفِ كلِّ شهواتِكِ القادمة

التي لن أعرفها كلَّها أبدا

كلَّ فساتينِكِ

كلَّ جواربِكِ

كلَّ مناديلِكِ التي من ورق والأخرى المضمخةِ بالعطر

كلَّ معاطفِكِ

تلك التي يتنافس عليها الجانحون في عربات المترو

هل تذكرين ذلك البربريَّ الأسودَ الذي تبعكِ حتى أعتابِ القمرِ هو وفينوسُ جانحةٌ مثلُهُ وهددكِ بسكينٍ كان الدمُ سيقطر منه لو لم تخلعي معطفَكِ الجديدَ وتعطيه إياه؟

كان يريد أن يُدفئ إفريقياهُ السوداءَ فاعذريه

وأن يجعل منك نَجمةً في سمائها

يا نَجمتي الدائمة الضوء يا ابنتي

يتعذر عليّ البكاءُ في حضنكِ

لأني أريد أن أكون أبًا بربريَ القلب

أبًا ليس عاديا

لن أتركَكِ تقعين في شباكِ مجنونٍ كلُّ باريسَ في رأسِهِ علبةُ ليل

لن أجعلَ منه زكامَكِ

فالشتاءُ طويلٌ تحت قناطرِ السين

لن أقاومَ سطوتَهُ على جحيمي من أجلك

فأدرأَ عنكِ الخطرَ المحدقَ بالظباء

البرية

هناك على أكفِّ ساحاتِ وطنٍ ضائع

كلُّ شيءٍ فيه متعةٌ للبربرية

كلُّ شيء

كلُّ شيء

كلُّ شيءٍ فيه إشارةٌ ليست مفهمومةً نحو السماء

ربما كانت حركةً من حركاتكِ

عندما تغضبين مني

ولا أعرفُ لماذا

(10)

هذه إصبعُكِ يا ابنتي

لما كنتِ صغيرة

وهذه ساعدُكِ

وهذه ساقُكِ

وهذه قدمُكِ دون جورب

في لوحةِ الموت

دفنتُكِ في ذاكرتي

فلا تحزني عليكِ

واغفري لي هذا الفعلَ البربريّ

أنا لا أحتملُ عنفَ الصورِ البريئة

جحيمَها الدائم

وردَها الذي لا يذبل

صراخَها في الليل

من الخطأِ ألا أكونَ كالغير

ألا أجمعَ الصورَ في ألبوم الأيام

فيقضي الزمنُ على البراءة

وعلى غيرِ البراءة

ويجعلُ من الذاتِ ذاكرةً للغبار

هذه أشلاؤكِ يا ابنتي

لما كنتِ صغيرة

في مزهريةِ الأحزان

لن أتركَهَا وحيدة

لأني سأكون مرة واحدة في العمر أبًا مسئولا

يأكلُ الشوكولاطة معها

ثم يبتسم

ويغمضُ عينيه

لن أفكرَ في إعلاناتِ المترو بعدها

لن أفكرَ في وطنٍ ضاع

لن أفكرَ في بلدٍ كانَ أو سيكون

بلدٍ خراء

لن أقولَ

أَحِنُّ إلى قهوةِ أمي

لن أصرخَ

أنا عربي

لن أَعْبُرَ كما عَبَرَ غيري في الكلام

كلُّ هذا متعةٌ للبرابرة

وأنا لم أكن يومًا بربريا

أنا السأم

وطعمُ التوتِ المدمى

والنبيذُ الحامزُ بعدَ قبلةٍ مغتصبة

أنا التقزز

أنا الغثيان

                                                 (منتصف الليل 2008.06.11)

* القصيدة الأولى من ديوان “البرابرة” لأفنان القاسم (2008-2010)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>