سعيد عقل بين الفضيلة والرّذيلة/ أسعد موسى عودة

سعيد عقل بين الفضيلة والرّذيلة/ أسعد موسى عودة

حقّه علينا أن نُقرّ ونعترف بأنّه شاعر فحل، جاء نِتاجه الأدبيّ عمومًا والشّعريّ خصوصًا علامة فارقة في تاريخ الأدب العربيّ، وهي فترة “سعيد عقل” لتتلوها فترة “سعيد بلا عقل…

سعيد عقل

سعيد عقل

.

|أسعد موسى عودة|

asaad-q

قضى سعيد عقل، إذًا، تاركًا وراءه الكثير من الأشعار، لكن، أيضًا، الكثير من الغبار. والآن، وبعد أن هدأت شيئًا العاصفة الّتي خلّفها وراءه انصراف جبل، بعد عمر عريض مديد (1912-2014) جلستُ كيما نحاول، معًا، أن نعطي الرّجل حقّه علينا ونأخذ منه حقّنا عليه.

حقّه علينا أن نُقرّ ونعترف بأنّه شاعر فحل، جاء نِتاجه الأدبيّ عمومًا والشّعريّ خصوصًا علامة فارقة في تاريخ الأدب العربيّ، بما حبّره من شعر فصيح أو عامّيّ، وذلك خلال فترة نصف قرن من العطاء الإبداعيّ (1932 – 1982) حيث لم يصدر له بعدها إبداع يُذكر، وهي الفترة الّتي يحلو لبعضنا أن يسمّيها فترة “سعيد عقل” لتتلوها (بعد العام 1982) فترة “سعيد بلا عقل”، وهما ما سنطرح دواعيهما ونعلّق عليها بإيجاز، في ما يلي من هذا المقال.

ولنبدأ بالمناقب ونُنهي بالمثالب لكنْ بغير مخالب – سنبدأ بالحسنات لا السّيّئات، والحسنات – في إسلاميَ العزيز السّمح، على الأقلّ – يُذهبن السّيّئات، وليست السّيّئات يُذهبن الحسنات.

لقد أضاف سعيد عقل بشعره إلى الأدب العربيّ الكثير، لغة وأسلوبًا وتراكيبَ وروحًا وكبرياءَ وقداسة، وهو إذا ما أضاف إلى الأدب فقد أضاف إلى الحياة حياة. فلن تجد في شعر سعيد عقل بكاء ولا عويلًا، ولن تجد كلامًا مبتذلًا بل ستجد كلامًا بِكرًا أصيلًا، كما ستجد فيه الكثير من المعرفة. كتب سعيد عقل باللّغة العربيّة الفصيحة الّتي كفر بها، لاحقًا، أشعاره الخوالد؛ كما كتب باللّغة المَحْكِيّة اللّبنانيّة أعذب الأغنيات: “يارا الجَدايِلْها شُقُرْ / إلْفِيهُنْ بْيِتْمَرْجَحْ عُمُر”؛ كما كتب: “لا تَدَعْهُ الوهْنَ يبلوكَ ولا / تَرْضَهُ بين نَداماكَ كضيفْ / وإذا سيفُكَ فُلَّ اكبُرْ وقُلْ / وَيْكَ يا زَنْدي تَهَيّأْ / أنتَ سيفْ”. غنّى سعيد عقل الكانَ عربيًّا عروبيًّا للعرب ولعواصم العرب، غنّى لمكّة والقدس ودمشق وعمّان قصائده الحِسان، ما جعله بين الشّعراء في علّيّين وأدرّ عليه غير قليل من الملايين (وليس في ذلك من كبير عيب أو حرج).

إلى هنا عن سعيد عقل الشّاعر والأديب، وما يلي عن سعيد عقل المفكّر والسّياسيّ والفيلسوف، والأستاذ الجامعيّ المرجعيّ المتعمّق في الإسلاميّات واللّاهوت، حيث لنا أن نوجز انعكاس الكثير من فكره السّياسيّ والاجتماعيّ والفلسفيّ وغيره – في هذا المقال المقتضب – بقوله، مثلًا: “يشاءونَني غيرَ نضْرِ الخيالْ / كما اللّا / ولا عبقريَّ الغدِ / أبَيْتُ / أنا قُبْلةُ الموعدِ / سكنتُ بلاديَ صُنعَ المُحالْ / سأسكنُها بعدُ صُنعَ يَدي”.

هذا وقد كان العام 1982 – قبله وبعده – بما عصف بالمِنطقة ولُبنان من جنون ومُجون، ومن تلمود ومن بارود، نقطة تحوّل جارفة في حياة الرّجل، حيث جنح بكلّيّته للُبنان، الّذي بات عنده – بعد الله – معبوده، والّذي رأى فيه مبتدأ العالم ومنتهاه، لُبنان الفينيقيّ، لُبنان صور وصيدا (صَيْدون)، إلى درجة جعلته يصرّح بأنّ عرش الله – والعياذ بالله – مصنوع من خشب الأرز. لكنّه بالغ سعيد عقل، وشتم الفِلَسطينيّ والعربيّ بألذع الألفاظ وأقذعها، حتى لإنّه كفر بوجودهما وتمنّى زوالهما، بما لا يليق بقامته الأدبيّة، على الأقلّ، وبما لا يليق، أصلًا، بفضل العربيّة والعرب عليه، ودعا – من جملة ما دعا إليه في هذا السّياق – إلى لَبْنَنَة العالم واعتماد اللّغة المَحْكِيّة اللّبنانيّة بحرفها اللّاتينيّ – الفينيقيّ بدلًا من الألفبائيّة العربيّة واللّغة العربيّة بالمجمل (جريدته “لِبنان” – LEBNAAN)، وبات يصنّف الشّعراء في طبقات كما يراهم هو، فهو الذّي “لم يسمع”، مثلًا، بقامة شعريّة اسمها محمود درويش، وهو الّذي قال: “شُخّ على العرب”، فألّف حوله الكثير من العداوات، فانهالت عليه الشّتائم قبل الممات وبعد الممات. ومن خفّة ظلّ قول الشّاعر اللّبنانيّ الكبير، طليع حمدان، فيه وهو حيّ يُرزَق: “هَالعاقِدِ لْمِشْعاجْبُو جُبران / وما عادْ إسْمُو كْثِير يِلْبَقْلُو / قالْ مَا بَعْرِفْ طليع حمدان / وشِعْري بِخَلّي الصَّخِر يِشْهَقْلُو / … وعَقْلَك إنْ كَنُّو هَيْكْ يا لِبنانْ / لِبنانْ يا رَيْتُو بَلا عَقْلُو”.

هذا هو – بغير إطناب مملّ وبإيجاز أرجوه غير مخلّ – “سعيد عقل” و”سعيد بلا عقل”، الّذي يُحسَبُ له كما يُحسَبُ عليه، والّذي يُحسَبُ لهُ في ما يُحسَبُ عليه أنّه صرّح بكلّ ما اعتقد بشجاعة وبلا تأتأة، وبأنّه كان يقول بقدْر ما كان يفعل. أحسن سعيد عقل وأساء، وصاب وخاب، وبهذه الخلطة – وهو، الآنَ، بين يديِ الله – لا يسعني، أنا – الكبير بإسلامي وعروبتي وفِلَسطينيّتي وإنسانيّتي – إلّا أن أرجو له – رغم العتاب – حُسن المآب.

(الكبابير / حيفا)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>