الأمن أم الديمقراطية: عن عسكرة الجامعات وكمّ الأفواه في الحرب/ جنان عبده

الأمن أم الديمقراطية: عن عسكرة الجامعات وكمّ الأفواه في الحرب/ جنان عبده

أمن الدولة الصهيونية هو البقرة المقدّسة التي يسجد لها الشعب وكلّ مؤسّسات الدولة، وعلى مذبحِها تقدم “حريّة التعبير” قربانًا

 

مبنى جامعة حيفا داعم للحرب على غزة...

مبنى جامعة حيفا داعم للحرب على غزة…

>

|جنان عبده|

للحيّز الجامعي حرمته- هذا ما يُفترض أن يكون. ليس من المفترض أن يقتحم الجيش أو الشرطة الحرم الجامعيّ لأيّ سبب، وليس من المفترض أن تتدخّل الجامعات وإداراتها في حرية التعبير الشخصية لطلابها.

لكنّ الأمر يختلف في إسرائيل؛ فجامعاتها تؤكّد خرق هذا النظام، حيث هاجمت قوات من الشرطة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي الحرم الجامعي واشتبك أفرادها مع الطلاب العرب الفلسطينيين المعتصمين في حينه في الحرم، واعتدت واعتقلت عددًا منهم.

ليس لإسرائيل “دستور” لكنها تتعامل مع القوانين الأساسيّة بمرتبة دستور. قانون أساس: كرامة الانسان وحريته يتحدّث بشكل واضح عن أهميّة حرية التعبير كقيمة عُليا في النظام الديموقراطيّ الذي تصبو إسرائيل إليه، وعن أهمية أن تحافظ الدولة على الحق الفرديّ للإنسان بالتعبير عن الرأي.

الجامعات الإسرائيليّة تحافظ على نظام “حرية التعبير” إلى أن يمسّ الأمر بـ “أمن الدولة”. تاريخ الجامعات يشهد لها على لجوئها إلى أنظمة الطوارئ ومحاكم التأديب وإبعاد طلاب فلسطينيين عن مقاعد الدراسة، بسبب فعاليات وآراء سياسية، تكون عادة مُندّدة بالاحتلال وبممارسات الدولة القمعيّة. وقد تجنّدت الجامعات الإسرائيلية لمنع تظاهرات سياسية في رحابها (بادر لها في الغالب طلاب فلسطينيون من الصف الوطنيّ) بادّعاء أنّ الجامعات ليست حيّزًا للسياسة وبادّعاء استقلاليّة الجامعات عن السياسة.

لكنّ الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر بما تسمّيه “أمن الدولة” الصهيونية؛ إنه البقرة المقدّسة التي يسجد لها الشعب وكلّ مؤسّسات الدولة وعلى مذبحِها تقدم “حريّة التعبير” قربانًا. وها هي المؤسّسات الاكاديمية تثبت أنها ليست خارج هذا الاجماع. لقد أثبتت الجامعات والكليات الاسرائيلية واحدة تلو الأخرى أنها جزء -بل وجزء أساسيّ- من الإجماع الصهيونيّ ومن منظومة العَسْكَرة الإسرائيليّة، وأنها مستعدّة للإطاحة بحرية التعبير وبكلّ ما يصبّ ضمن هذا المفهوم، لتحمي “أمن الدولة” ولتكون مركّبًا أساسيًّا من عسكرة الحيّز العام والأكاديميّ ضمنه.

مع بداية الحملة الحربيّة الاخيرة على غزة قامت كليات وجامعات بإرسال رسائل لطلابها تدعم  الجنود من طلابها الذين تلقوا الأمر 8 -أمر تجنيد الاحتياط- وتدعم الجنود المحاربين في غزة وتقف من ورائهم وتدعو لعودتهم سالمين (كلية الكرمل في حيفا أرسلت رسالة بهذا الصّدد لطلابها).

هذا الأسبوع، ومع دخول الحرب الهمجية على غزة أسبوعها الثالث، تجنّدت جامعة تل أبيب وبن جوريون في بئر السبع لتحذير طلابها من أيّ تفوّهات/ كتابات تحرّض على الدولة وعلى الجيش وتتضامن مع أهل غزة. بل وذهبت الى أبعد من ذلك: فقد هدّدت جامعة بئر السبع طلابها بشكل واضح ومباشر بأنها تراقب وتلاحق كلّ ما يُكتب ويُنشر على صفحات الفيسبوك وأنها ستقوم عند الحاجة، وبناءً على أنظمة الطاعة بالتوّجه للشرطة (رسالة جامعة “بن غوريون” في بئر السبع هذا الاسبوع للمحاضرين والطلاب). وسبقتها جامعة تل أبيب في رسالة تحمل ذات الروح وذات المعنى والهدف.

الجامعات الإسرائيليّة جزء من الإجماع القوميّ الصهيونيّ لا تنفصل ولا تختلف عنه، وتأتي لتخدمه في حالات الطوارئ كما الحرب، وتضع كلّ المعايير الأكاديميّة وحرية الرأي والتعبير وضرورة أن تبقى الجامعات والكليات “نقيّة” و”غير متداخلة”، تضعها كلّها جانبًا وتثبت مجدّدًا أنها جزء من الآلية الصهيونيّة والفكر الصهيونيّ المُجنَّد لحماية دولته.

قامت جامعة حيفا بإنارة برجها المشهور بنجمة داوود لتثبت صهيونيّتها ودعمها للحرب وللجنود. والشارع الإسرائيليّ ليس بعيدًا عن هذه الأجواء وهذا الإجماع. فالمنظر العام الذي يجتاح الشوارع بات واضحًا: الإعلام الإسرائيليّة ترتفع على السيارات الخاصة وشرفات البيوت ومداخل المطاعم والمحال التجارية، وهي حالة تميّز عادة فترة ذكرى يوم نكبتنا التي يحتفلون فيه استقلالهم. زدْ على ذلك قيام العديد من أماكن العمل بإقالة موظفين عرب لكتابتهم عبارات تتضامن مع أهل غزة أو تفرح بمقتل جنود صهاينة.

إنّ التجند الآن وإعادة وتكرار الأسلوب والآليّة ذاتها، يؤكّدان شعورهم بضرورة التجنّد كجبهة واحدة في الحرب ضدّ العدو الفلسطينيّ. جبهة واحدة عنصريّة وفاشيّة بامتياز.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current day month ye@r *

Pin It on Pinterest

Share This