الخشبة الخضراء/ علاء حليحل

الخشبة الخضراء/ علاء حليحل

أنا أحبّ أنسمبل “خشبة” جدًّا. هذا لا علاقة له بالمثاليّات غير الواقعيّة وغير الممكنة، مثل أنّ كلّ ما يفعلونه جيّد أو ممتاز، أو أنّهم أفضل المسرحيّين العرب والفلسطينيّين، وما شابه من هذه الألقاب. أنا أحبّهم بالأساس لأنّهم مبادرون وطلائعيّون وصادقون مع أنفسهم ومع أفكارهم.

11892115_833696740062293_7384196542208462557_n

بشار مرقس ومجدلة خوري في مسرح “خشبة”

| علاء حليحل |

منذ سنوات ترتبط عندي البدايات المسرحيّة بورش البناء والترميم: مازن غطاس ونبيل الدوحا رمّما مبنى مسرح اللاز في عكا؛ سليم ضو رمّم مبنى مقهى ومسرح تموز؛ والآن مجموعة خشبة يرمّمون ويحيون المبنى العتيق في شارع الخطيب في البلدة التحتا في حيفا. وأنا أحبّ هذا الارتباط: ففيه فعل حقيقيّ صادق وفعل رمزيّ مؤثر: البناء والترميم- مجازًا وفعلًا صريحًا مليئًا بالأغبرة والاسمنت.

ala-new

علاء حليحل

التقيتُ ببشار مرقص أول مرّة في مسرح اللاز، في 2005 على ما أذكر. كان مازن غطاس ما زال بيننا وعندما دخل هذا الشاب الصغير الفتيّ (جدًّا) قال لي مازن بمباشرته التي تعلمنا أن نحبّها مع الوقت: “تفكّروش ولد صغير! هاد شب موهوب”. وصدّقت مازن لأنّ مازن كان من أعتى النقديّين الذي عرفتهم في حياتي، فإذا نعت شخصًا ما بالموهوب فلا شكّ أنّ أمه داعيتله. وأثبت بشار هذه النبوءة، والتفّ حوله (والتفّ حولهم) عدد من الموهوبين الآخرين: خلود باسل وهنري اندراوس وشادن قنبورة ومعهم مجدلة خوري وغيرهم، وأسّسوا “خشبة”.

أنا أحبّ أنسمبل “خشبة” جدًّا. هذا لا علاقة له بالمثاليّات غير الواقعيّة وغير الممكنة، مثل أنّ كلّ ما يفعلونه جيّد أو ممتاز، أو أنّهم أفضل المسرحيّين العرب والفلسطينيّين، وما شابه من هذه الألقاب. أنا أحبّهم بالأساس لأنّهم مبادرون وطلائعيّون وصادقون مع أنفسهم ومع أفكارهم. سيخطئون أحيانًا وستخرج مسرحيات من بين أيديهم لن تكون “رائعة”، وقد يملّون أحيانًا وقد يتعبون، لكنّهم سيظلّون فرقة مسرحيّة متميّزة ستكون قياديّة ورياديّة على المدى البعيد والمنظور بلا شكّ.

يختلف توجّه “الأنسمبل” (فرقة مسرحيّة) عن توجّه البطولة أو النجوميّة المعهود في الكثير من المواقع والنشاطات. وقد برز هذا المصطلح أوّل مرة في السينما عام 1916 مع صدور فيلم Intolerance، إذ احتوى الفيلم عدّة حبكات متشابكة من دون حبكة رئيسة واحدة، كاسرًا نمط التمثيل والإخراج الذي يستند على حبكة مركزية وممثل رئيس. وهذا ما يقف في صلب هذا النوع من العمل الجماعيّ: الجميع مهمّون ومركزيّون، ولا علاقة لحجم الدور الذي تلعبه على الخشبة أو من ورائها. في هذا التوجّه تهذيب للإيغو (الحتميّ في الإبداع) وبلورته ودفعه وتنميته بالاتجاه الصحيح. نحن الفلسطينيّين كارثة فظيعة في العمل الجماعيّ، رغم أنّ لدينا الكثير من الأفراد الممتازين. هناك شيء ما –دائمًا- يفسد العمل الجماعيّ ويحول دون إبراز مواهب الأفراد وقدراتهم في ضمن مشاريع وحملات مشتركة.

لذلك أحبّ أنسمبل “خشبة” وأراهن عليها، وأترقب مسيرتها بحماس وفرح. ومن إحدى أمنياتي المستقبليّة أن أعمل مع هذا الأنسمبل وأن أعيش بفرح تجربة ستكون فريدة لا شكّ وستكون يانعة وخضراء، تمامًا مثل أعضاء “خشبة”.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>