مصر تغني فلسطين / د.ياسر علوي

24 يوليو 2014

Minfo-130723115722IcbZ

| د. ياسر علوي* |


(الحلقة الأولى – مع قائمة بـ 40 أغنية مصرية مختارة عن فلسطين)

ولا في قلبي ولا عينيّه.. إلا فلسطين

وأنا العطشان ماليش ميَّه.. إلا فلسطين

فؤاد حداد

-1-

الغناء عن فلسطين ولها باب كامل في تراث الغناء المصري منذ منتصف القرن العشرين. فنحن لا نتكلم عن عدد محدود من “أغاني المناسبات” التي تنتج بين الحين والآخر على سبيل التضامن مع “شقيق في محنة”، وإنما عن تراث كبير –كما ونوعا- له قيمة فنية حقيقية، بالإضافة لقيمته السياسية والنضالية الواضحة. الأكثر من ذلك، أنه تراث مصري قح. ما المقصود بذلك؟

المقصود هو الظاهرة التي انفردت بها مصر، كونها البلد العربي الوحيد الذي أنتج تراثاً غنائياً ثرياً عن فلسطين، بدون أن يكون من الدول التي استضافت أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين.

ففي سائر الدول العربية التي أنتجت غناء ذا قيمة فنية حقيقية عن فلسطين (لبنان وسوريا والأردن بشكل خاص، والعراق بدرجة أقل)، كان هذا الفن أساساً ثمرة تلاقح التراث الفلسطيني الذي حمله لاجئون فلسطينيون لهذه البلدان مع تقاليدها الموسيقية المحلية.

غير أن هذا لم يكن الحال في مصر، حيث كان الغناء لفلسطين تراثاً محلياً مصرياً خالصاً بدون مؤثر فني فلسطيني واضح على تكون هذا التراث الموسيقي.

(هل كان ذلك تعبيراً فنياً عن كون القضية الفلسطينية شأناً”محلياَ” مصرياَ، سواء من حيث أنها باب أمن مصر القومي، أو من حيث اشتباك تاريخها مع تاريخ مصر؟ فقرار مصر الملكية مثلا بدخول حرب فلسطين سنة 1948 كان محطة أساسية في الطريق لثورة 1952 ونشوء مصر الجمهورية، التي تضافرت محطات تاريخها مع منعطفات القضية الفلسطينية، وصولا إلى انتفاضة الأقصى التي كانت مظاهرات التضامن معها الشرارة الأولى في حركة الاحتجاجات الواسعة التي استمرت طوال العقد الأول من القرن الحالي، لتكلل بثورة يناير 2011).. على كل، هذا حديث آخر.

-2-

لكن المؤكد، في جميع الأحوال، هو أن الغناء المصري عن فلسطين لم يكن نشاطاً موسمياً يؤدى في أوقات الفراغ الوطني من باب التضامن مع “الأشقاء المساكين”، وإنما كان باباً ثابتا في قلب تقاليد الغناء المصري.

لتوضيح ذلك ألحقت بهذا المقال قائمة استماع مقترحة لـ40 عملاً مصرياً مختاراً عن فلسطين، وهي قائمة ليست شاملة بطبيعة الحال، ولكنها تضم في نظري أجمل ما غني عن فلسطين (بعد استبعاد عدد لا يستهان به من الأغاني الرتيبة ذات الطابع المدرسي التي قدمت في الاحتفالات الموسميةعن فلسطين، وأغاني المناسبات والألحان ضعيفة القيمة في نظري)، وتمثل أجيالا وتقاليد مختلفة في الموسيقى المصرية.

ويهمني هنا أن ألفت نظر القراء لما يلي:

أولا: منذ أن افتتح محمد عبد الوهاب تقليد التلحين والغناء لفلسطين عام 1948 بأنشودته الفذة “فلسطين” من أشعار علي محمود طه (مقام راست)، يكاد لا يوجد ملحن مصري أساسي لم يلحن أعمالا تتناول فلسطين إما بشكل كامل (أي أن يكون العمل كله عن فلسطين) أو بشكل جزئي (كأن يتضمن العمل كوبليها واحدا على الأقل عن فلسطين، ولو تناول موضوعات أخرى).

لم يستثن من ذلك ملحنون اشتهروا بالإغراق في مصريتهم ومحليتهم كمحمود الشريف (صاحب النشيد الرائع “عائدون” الذي ظل لسنوات اللحن المميز لإذاعة فلسطين) أو أحمد صدقي. بل يلفت النظر أن اللحن الوحيد حسب علمي في تاريخ الموسيقى العربية المنتجة خارج فلسطين، والذي خصص حصرياً لغزة، كان “نشيد غزة” من إبداع الملحن العبقري المغرق في مصريته أحمد صدقي، وغناء المطرب الشعبي العملاق محمد قنديل. ولا عجب، ففلسطين، كما قلت، كانت شأناً محلياً في الغناء المصري.

ثانيا: يتضح أيضاً من قائمة الاستماع المقترحة في ملحق هذا المقال، حضور فلسطين في جدول أعمال محلنين من أجيال مختلفة (بدءا من محمد عبد الوهاب في منتصف القرن العشرين ووصولا لحازم شاهين وفرقة اسكندريلا في مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011). الغناء لفلسطين إذن، لم يكن مجرد “موضة” مرتبطة بجيل واحد من أجيال الموسيقيين المصريين.

بالعكس، يمكننا أن نقول، بلغة الاقتصاديين، أن “الطلب” على الغناء والتلحين لفلسطين عابر للأجيال، وهو ما يليق بكون فلسطين “شأناً محلياً” يخص كل الأجيال المصرية التي عاصرت القضية.

ثالثا: ثم إن هذا “الطلب” على الغناء لفلسطين، لم يكن قاصرا مثلا على الملحنين الذين عملوا في الخط الرئيسي للتلحين في مصر، الذي ارتبط مثلا بصعود المشروع الناصري وكان على علاقة جيدة مع الحكم في مختلف العصور (عبد الوهاب، السنباطي، كمال الطويل، محمد الموجي، بليغ حمدي…الخ، وجميعهم كما يتضح من القائمة المرفقة أنتجوا أعمالا بديعة عن فلسطين). ولكنه حاضر بنفس القوة عند الملحنين “المعارضين” من مختلف الأجيال (مثال: الشيخ إمام، محمد عزت، أحمد اسماعيل، وحازم شاهين)، بل هو حاضر أيضا في اللون الغنائي الريفي الذي يغنى أساسا في موالد الأولياء والمناسبات الريفية، ولا تسمعه “النخب” في القاهرة والمدن الكبرى، ولا تبثه الإذاعة والتليفزيون (مثال: قصيدة المسجد الأقصى أسير يصطلي، للمنشد الديني الشعبي الكبير الشيخ ياسين التهامي). الكل في مصر إذن غنى لفلسطين.

رابعا: نلاحظ أيضا من القائمة الملحقة أن الخط الغالب في تطور الغناء المصري عن فلسطين يميل، بشكل عام، إلى الانتقال من الغناء عن فلسطين بالفصحى، إلى الغناء لها بالعامية المصرية، الأمر الذي يمثل في نظري تأكيدا إضافيا لكون فلسطين هاجسا محليا مصريا، يستحق أن يكون جزءا من لغة الحديث اليومي لعموم المصريين، وليس شأناً نخبوياً يخص المثقفين أو المتعلمين ومجيدي الفصحى وحسب.

خامسا: من ناحية المضمون الفني للأغاني عن فلسطين، فإنه بخلاف المراوحة بين الفصحى والعامية (مع ميل لزيادة الأغاني عن فلسطين بالعامية المصرية)، فإن المضمون اللحني لأغاني فلسطين شديد التنوع، إذ تراوح بين الأناشيد الحماسية (مثال: عائدون لمحمود الشريف، أو نشيدي فؤاد حداد الرائعين، ازرع كل الأرض مقاومة بلحن سيد مكاوي، وكل حي في مصر يسمع من ألحان محمد عزت، أو الكوبليه الأخير من قصيدة “أصبح عندي الآن بندقية” لعبد الوهاب وأم كلثوم)، والقصائد الرصينة بالفصحى (مثال: قصيدة فلسطين وقصيدة “أيها الساري” لعبد الوهاب، أو “ياقدس يا حبيبة السماء” للسنباطي وسعاد محمد) أو بالعامية (الخط ده خطي لأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام) والأغاني ذات الإيقاعات الخفيفة المصممة ليصفق معها الجمهور ويرددها (مثال: إزرع كل الأرض مقاومة باللحن الذي وضعه أحمد اسماعيل، وأغنية هز هلالك يا صلاح الدين لعمار الشريعي).

سادسا: نفس هذا التنوع نلاحظه في التركيب اللحني لهذه الأغاني، والذي لم يقتصر فقط على الأشكال التقليدية المألوفة للمستمع العربي، وإنما تضمن عددا لا بأس به من الأعمال التجريبية، أهمها في نظري أغنية المسيح (الأبنودي/بليغ حمدي/على اسماعيل/عبد الحليم حافظ) التي تضمنت بناء توزيعيا عبقريا يمثل أهم معالم هذه الأغنية، حيث يقوم على استخدام كورال أوبرالي، قوامه أصوات نسائية من طبقة السوبرانو الحادة، يرد على عبد الحليم حافظ، بالإضافة لاستخدام أجواء موسيقية كنسية تناسب الكلمات البديعة، ولكن غير المألوفة للمستمع العربي (كونها مقتبسة من المروية المسيحية الأرثوذكسية، لا المرويات الإسلامية التي اعتاد المستمع العربي الاستشهاد بها).

نفس هذا الميل التجريبي تجده أيضا في العمل المسرحي الفذ للعبقري علي اسماعيل “ملحمة النار والزيتون”، والذي يكتسب أهميته من كونه ليس فقط الإطلالة الموسيقية الأولى لأشعار محمود درويش، وإنما للتجربة شديدة الخصوبة التي قام بها علي اسماعيل في هذا اللحن بالمزاوجة بين الدبكات والألحان الشعبية والغناء الأوبرالي لسهير حشمت (التي كانت تجربته القصيرة معها بالمناسبة هي أول محاولة لتطعيم الغناء العربي بأصوات تدربت أوبراليا، وهي تجربة لم تسمح الوفاة المبكرة لعلي اسماعيل بإكمالها، وقد حاول بليغ حمدي وكمال الطويل أن يستأنفانها بعد ذلك بسنوات قليلة مع عفاف راضي وماجدة الرومي) وكنعان وصفي (المعروف لعموم المشاهدين بصفته ممثل كوميدي، اشتهر بدوره مع فؤاد المهندس في أفلام “مستر إكس”، وليس كصوت أوبرالي).

-3-

ظلت فلسطين إذن، كما قلنا، بندا ثابتا في تقاليد الموسيقى في مصر المحروسة منذ منتصف القرن العشرين، وإن تعددت داخل هذا التقليد الموسيقي طرق التعبير عن الهم الفلسطيني، شكلا ومضمونا.

فمن يعود للقائمة الملحقة، يلاحظ مثلا أن الغناء لفلسطين، بعد الأغاني الافتتاحية التي واكبت النكبة (قصيدة فلسطين لعبد الوهاب، وألحان السنباطي لسعاد محمد عن فلسطين)، ظل لفترة طويلة مثلا مقتصرا على وضع كوبليه عن القضية الفلسطينية داخل أغاني مخصصة للحديث عن مصر او العروبة بشكل عام (مثال: الكوبليهات الخاصة بفلسطين في الحان عبد الوهاب: والله وعرفنا الحب، صوت الجماهير، قولوا لمصر تغني معايا في عيد تحريرها، الوطن الأكبر، أو لحن فريد الأطرش المارد العربي، أو يا أهلا بالمعارك لكمال الطويل، أو على راس بستان الاشتراكية للموجي).

كان هذا هو التعبير الغنائي عن فهم هذه المرحلة لأن فلسطين ليست قضية “منفصلة” وإنما من صلب النضال المصري والعربي، بل وصل أحيانا إلى افتراض أن تحرير فلسطين أمر معلوم بالضرورة ويجب الانتقال لمناقشة ما بعده (مثال: يقول صلاح جاهين في قصيدته الفذة “يا أهلا بالمعارك”: جبل الجرانيت انشق.. انشال/ وفي بحر النيل اتزق..أمال/ ما في حاجة تقول لنا لأ.. إيش حال/ يوم تحريرنا فلسطين) وللقارئ أن يلاحظ النبرة الواثقة للكلمات، ووضعها تحرير فلسطين في نفس واحد مع عملية بناء السد العالي.

على أية حال، هذا الفهم واكب وعبر بشكل دقيق عن الإدراك السياسي لتلك المرحلة (مرحلة ما قبل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، ثم أيامها الأولى بقيادة احمد الشقيري حينما لم يكن لها صوتا سياسيا مستقلا).

التيمة الثانية في الغناء المصري عن فلسطين، هي تيمة “الفدائي/المقاوم” الذي يكسر الهزيمة، وبدأ يسمع العالم صوته، وهي التيمة المسيطرة منذ 1967 وإلى الآن. كان لنزار قباني قصيدة شهيرة في تلك المرحلة يقول فيها “آلو آلو فتح.. العالم يسمعنا الآن” في إشارة لدور العمليات الفدائية في وضع فلسطين على الخريطة مجددا.

وبنفس هذا المعنى، ظهرت أغاني فدائي (لبليغ حمدي/محمد حمزة/عبد الحليم حافظ)، أصبح عندي الآن بندقية (نزار قباني/عبد الوهاب/أم كلثوم)، وهي تيمة مستمرة في أعمال الشيخ إمام مثلا (تكرم عين الشعب الزين/يا فلسطينية)، وفي الثلاثية الذهبية التي غناها سيد مكاوي من أشعار فؤاد حداد، والتي تعتبر في نظري من أعظم ما غنى المصريون عن فلسطين (الأرض بتتكلم عربي، إزرع كل الأرض مقاومة، ولا في قلبي ولا عينيه إلا فلسطين) بالإضافة لحلقته البديعة عن القدس ضمن ديوان المسحراتي الذي لحنه سيد مكاوي من أشعار فؤاد حداد أيضا.

أما التيمة الثالثة في الغناء المصري لفلسطين، فهي الأغاني التي تتحدث عن محنة ومعاناة الفلسطيني كلاجئ (مثال: من أجمل أغاني هذا اللون أغنية “فلسطيني” للثلاثي جمال بخيت/فاروق الشرنوبي/علي الحجار).

كل التيمات الثلاث السابقة هي تيمات حاضرة في الغناء عن فلسطين داخل وخارج مصر. أما التيمة التي تنفرد بها مصر في الغناء لفلسطين، فهي ما يمكن تسميته “فلسطين شرطا لمصر”، أي أن عليك أن تبحث عن فلسطين لتجد مصر.

تجد هذا في أغاني صلاح جاهين (بتضفيرها الواضح بين الهم المحلي وبين القضية الفلسطينية وسائر القضايا العربية)، وتجده في ألحان عبد الوهاب مثلا (مثال: أغنية “قولوا لمصر تغني معايا في عيد تحريرها”، التي تربط بين “ثأر عرابي” و”ثأر فلسطين”، وأغاني الوطن الأكبر وصوت الجماهير وغيرها)، ولكنك تجده أيضا في العمل الرائع “عم بطاطا” من كلمات جمال بخيت وألحان فاروق الشرنوبي وغناء علي الحجار (مقام راحة الأرواح).

في كل هذه الأعمال، تجد نفس الرسالة: إبحث عن فلسطين، تجد مصر. وهي رسالة –بجانب أهميتها في حد ذاتها- تكرس ما سبق وقلناه في افتتاح هذا المقال، من أن الغناء عن فلسطين ليس غناء مصريا عن “الآخرين”، ولكنه في المقام الأول، غناء مصري عن مصر والمصريين.. عنا “نحن” وعن همومنا، وليس عن “تصدقنا” على غيرنا بإعلانات التضامن والمواساة.

-4-

من هذا التراث شديد الثراء اخترت لكم اليوم ثلاثة أعمال سنمر عليها مرورا سريعا (وليس بالشكل التفصيلي المعتاد في مقالات باب “سلطنة”، نظرا لأن الجسم الأساسي لهذا المقال خصص لعرض الاتجاهات الأساسية في الأغاني المصرية عن فلسطين بشكل عام).

وقد راعيت في اختيار هذه الأعمال أن تمثل أجيالا مختلفة من الموسيقيين المصريين، وأن تضم النماذج الأقل شهرة (من باب أن تكون فرصة لأكثرية القراء للاستماع لألحان لا يعرفونها).

-5-

إزرع كل الأرض مقاومة: رائعة فؤاد حداد بلحنين مختلفين

كان عام 1968 عاما حاسما في تاريخ الثقافة المصرية، كونه عام استيعاب صدمة النكسة، وبدء مقاومتها، سواء عسكريا بحرب الاستنزاف، أو ثقافيا من خلال إنشاء فرقة الموسيقى العربية بقيادة عبد الحليم نويرة، وانعقاد أول دورة لمعرض القاهرة للكتاب، وصدور عدد من الأعمال الفنية النقدية الهامة (مسرحية القضية 68 للطفي الخولي، فيلم أغنية على الممر، باكورة إنتاج جماعة “جاليري 68″ ذات الدور الثقافي الهام، وهكذا).

موسيقيا، كان سيد مكاوي نجم هذه المرحلة (من 1968-1970) بلا منازع، فقد أنتج فيها عددا من الأعمال الرائعة مع صلاح جاهين وفؤاد حداد، وقام بتجربته العظيمة في تلحين 3 دواوين شعرية كاملة (ديوان الرباعيات لصلاح جاهين، وديواني المسحراتي ومن نور الخيال وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة لفؤاد حداد). وكان لفلسطين حضورا قويا في هذه الأعمال، أبرزه الثلاثية الخالدة التي لحنها سيد مكاوي من كلمات فؤاد حداد وهي أغاني: إزرع كل الأرض مقاومة، ولا في قلبي ولا عينيه إلا فلسطين، والأرض بتتكلم عربي.

كانت هذه المرحلة أيضا، هي المرحلة التي تقاطع فيها هاجس “المقاومة” ليس فقط باعتباره ضرورة مصرية لنفض آثار الهزيمة، أو بتعبير تلك المرحلة، إزالة آثار العدوان، وإنما أيضا لأن هذه هي مرحلة ظهور العمل الفدائي الفلسطيني، مستقلا في البداية عن منظمة التحرير الفلسطينية بطبعتها التقليدية (تحت قيادة الشقيري)، ثم مسيطرا لاحقا على المنظمة اعتبارا من نهاية الستينات، مع وصول ياسر عرفات لقيادة المنظمة من باب قيادته لحركة “فتح” (أكبر الحركات الفدائية وقتها).

في هذه المرحلة، إذن، كان الغناء عن المقاومة هو، بأدق معنى للكلمة، غناء عن هم مصري فلسطيني مشترك. ومن أبدع هذه الأعمال، نشيد “إزرع كل الأرض مقاومة”، الذي نستمع إليه أولا باللحن العظيم الذي وضعه سيد مكاوي، وبالتوزيع المبهر لعلي إسماعيل، مقام عجم.

-6-

الكلمات لقطب شعر العامية المصرية الأعظم فؤاد حداد. وهي، كعادته، تجمع بسلاسة لا يقدر عليها إلا فؤاد حداد بين عمق المعنى وبساطة اللفظ وموسيقاه الصاخبة. كيف؟

من حيث المضمون، الكلمات قاطعة لا لبس فيها. المقاومة مطلوبة في كل مكان (إزرع كل الأرض مقاومة)، فهي الطريق لاستعادة الحق، وإنهاء أيام الوطن اللاجئ ليبدأ يوم الوطن المنصور. الكلمات تستخدم تيمتين من التيمات التي ذكرناها للغناء المصري عن فلسطين، تيمة النشيد الحماسي، بالإضافة إلى الربط الواضح بين القضايا المحلية (الثورة والإصلاح الزراعي الذي صدر آخر قوانينه في مصر سنة 1969 بالتزامن مع حرب الاستنزاف وتصاعد العمل الفدائي الفلسطيني، ومثل الموجة الثالثة من موجات الإصلاح الزراعي التي عرفتها مصر) وبين هم فلسطين التي يجب أن يقطر العرق من جبيننا على أرضها، لكي تنبت “عيدان الحي الجايين” في الوطن المنصور. الجرح واحد، والنصر واحد.

بجانب هذا المضمون العميق، الكلمات شديدة الموسيقية، بجرس صاخب (مبادئ/بنادق/صادق/اللاجئ، وجدور/النور/سور/منصور…الخ)، وتتكون من مذهب وكوبليهين. واللافت أن كل كوبليه مكون من عشرة شطور قصيرة، 9 منها بنفس القافية (الدين/شاهدين/يمين/يلين/سنين/معديين/جبين/فلسطين/الجايين) لتعود الشطرة العاشرة إلى قافية المذهب (ينبتوا في الوطن المنصور). وتتكرر اللعبة في الكوبليه الثاني.

تناسب هذه الطبيعة الموسيقية الصاخبة، بجرسها المتكرر في قوافي الشطور القصيرة المتتالية، قالب النشيد، الذي يجب أن يتضمن نغمة جميلة (قادرة على أن تثبت في أذن المستمع) ولكنها في نفس الوقت سهلة وغير مركبة (ومن ثم يسهل حفظها وترديدها، وهو المطلوب من الأناشيد). وجد سيد مكاوي بسهولة هذه النغمة الرائعة، واعتمد على صيغة المارش الحماسي، وتكرار اللحن نفسه في الكوبليهين، فالمجال هنا لا يسمح بالبهلوانيات المقامية والنقلات التي يجيدها سيد مكاوي عادة (انظر مثلا لحنه البديع في نفس المرحلة لأم كلثوم “يا مسهرني”، أو الأوبريت العظيم “الليلة الكبيرة”).

استخدم سيد مكاوي مقام العجم من بداية اللحن لنهايته، وهو مقام يسمح للموزع العظيم علي اسماعيل باستخدام آلات النفخ النحاسية والأوركسترا الغربي الكبير المناسب لقالب النشيد الحماسي، بالنظر لخلوه من درجة الربع تون التي تعجز عن أدائها الآلات الغربية.

لكن اختيار هذا المقام له دلالة أخرى. فالنشيد الذي نسمعه هنا، ينتمي إلى قالب نادر في الموسيقى العربية من الأناشيد، هو الأناشيد المغناة باللهجة المحلية (ففي أغلب الدول العربية، تقال الأناشيد بالفصحى أساسا)، وهو قالب بدأه سيد درويش مع رفاق دربه يونس القاضي وبديع خيري. وسيد مكاوي –الذي كان يحفظ تراث الموسيقى العربية كله تقريبا بشكل مذهل، والذي يعتبر من الناحية الفنية نقطة التقاطع بين سيد درويش وزكريا أحمد- كان باختياره المقامي هنا يعلن أنه امتداد لهذه الأناشيد، ومن هنا اختار مقام العجم، الذي لحن منه سيد درويش أناشيده الخالدة “قوم يا مصري، وبلادي بلادي”، في تحية –عفوية أو مقصودة- لفنان الشعب، وأناشيده الداعية لمقاومة المحتل، تماما كما يفعل سيد مكاوي وفؤاد حداد هنا. تغير المحتل، ولكن لم تتغير الحاجة لمقاومته.

ويبقى سيد مكاوي طوال النشيد في مقام العجم، بجمل موسيقية طويلة وحماسية (وليس بالجمل القصيرة المليئة بالحلى المقامية والمنمنمات التي يقوم بها سيد مكاوي مثلا في حلقات المسحراتي أو أغاني أوقاتي بتحلو وخللي شوية علي وحلوين من يومنا…الخ). اللحن رائع، وأداء سيد مكاوي المطرب مذهل بكل معاني الكلمة، صوت جميل، ونفس قوي وقدرة استثنائية على لجم ميله التطريبي التقليدي، ليقتصر على الشحنة التعبيرية المكثفة التي تتضمنها كلمات هذا النشيد، بدون مبالغات تطريبية. سيد مكاوي هنا يبرز نصفه الدرويشي (نسبة لسيد درويش)، على حساب نصفه الأحمدي (نسبة لزكريا أحمد). وهذا ما يقتضيه اللحن.

-7-

النموذج الثاني الذي سنستمع له اليوم، هو لنفس الكلمات ولكن بلحن آخر لا يقل روعة عن لحن سيد مكاوي، للفنان المبدع أحمد اسماعيل، وهو أحد أبرز المواهب اللحنية المصرية في نهاية القرن العشرين (جيل الثمانينات والتسعينات)، يعمل ضمن التقليد اللحني شديد المصرية. إذ يمكن أن نقول مجازا أنه يمثل نقطة التقاطع موسيقيا بين سيد مكاوي وأحمد صدقي. ولديه عدد من الألحان الرائعة لقصائد فؤاد حداد (سأعود لهذا الملحن المقتدر ولكن المجهول في حلقة قادمة من هذا الباب).

أحمد إسماعيل أيضا مؤد ممتاز، ذو صوت قوي وقدرة استثنائية على التعبير، من مدرسة الفنان القدير اسماعيل شبانة، وهو على الأرجح أهم حفظة التراث الموسيقي المصري في الوقت الحالي (كما كان سيد مكاوي، في جيل سابق، من أهم حفظة تراث الموسيقى المصرية والعربية). لنستمع إلى لحنه البديع لرائعة فؤاد حداد “إزرع كل الأرض مقاومة”.

 

اللحن مصاغ من أحد أفرع مقام السيكا، يبدأ بموال شديد العذوبة والروعة من كلمات فؤاد حداد، به نفس الموسيقى والجناس والثراء اللغوي، ويؤكد نفس معنى كلمات القصيدة (وحدة الهم المصري والفلسطيني، فكلنا “حبات لنفس العقد الواحد” كما يقول البيت الافتتاحي للموال).

يختلف هذا اللحن عن لحن سيد مكاوي، كونه لم يعتمد قالب النشيد الحماسي، وإنما قالب الأغنية الموقعة إيقاعا خفيفا واضحا يسهل فورا أن يندمج معه المستمعون بالتصفيق والغناء. ليس هذا الاختيار مجرد تفضيل جمالي له علاقة بذوق الملحن وخياله، ولكنه يعكس أيضا الفارق بين السياق الذي عمل فيه كل من سيد مكاوي وأحمد اسماعيل.

فسيد مكاوي، الذي وضع لحنه في لحظة استنفار للمجتمع والدولة المصرية تحت لافتة المقاومة، كان قادرا على وضع نشيد حماسي يتم تنفيذه أوركستراليا بقيادة العبقري علي اسماعيل، ولكن هذا ليس متاحا لأحمد اسماعيل، أحد مطربي المعارضة (العاملين ضمن التقليد الذي أرساه الشيخ إمام، والذي تتلمذ أحمد اسماعيل عليه في بداياته)، وبالتالي فإن لحنه لا يمكن أن ينفذ إلا بالعود فقط. ما نتيجة ذلك؟

النتيجة هي –كما كان الحال في أغلب ألحان الشيخ إمام الجماهيرية- لحن له إيقاع واضح، وجمل بسيطة وشجية يسهل حفظها وترديدها، ومصمم بشكل يتيح التناوب في الغناء بين المؤدي والجمهور، بدون نقلات مقامية معقدة، ولكن بالاستناد على إيقاع واضح (يمكن أن يواكبه المستمعون بالتصفيق) وقفلة تطريبية واضحة في مقام السيكا (مقام شرقي صرف)، وهي من نوع القفلات الحريفة التي تتطلبها ذائقة جمهور السميعة لمغني لا يؤدي ألحانه إلا بالعود فقط (ما يهيئ المستمع نفسيا لقفلات تطريبية تقليدية). وليست مصادفة أن هذه القفلات الحريفة كانت سمة دائمة في ألحان الشيخ إمام، ولنفس السبب.

هذه البساطة في البناء، والإيقاع الواضح، ليست إذن مجرد خيارات جمالية، وإنما حيل لضمان أوسع انتشار ممكن للحن في ظل مقاطعة الإعلام الرسمي لأعمال هذا الفنان الذي لا يؤدي أعماله على مدار عشرين عاما إلا في حفلات وفعاليات نقابية وجامعية…الخ، ولم يتح له التعامل مع الإذاعة والتليفزيون الرسميين.

-8-

حيّوا أهل الشام: حازم شاهين وفرقة إسكندريلا

اللحن الأخير، وهو الأحدث زمنيا والأكثر تجريبية في الأعمال التي اخترتها اليوم، هو تجربة استثنائية قام بها الملحن الشاب المبدع “حازم شاهين” وفرقة اسكندريلا في التعامل مع نص فذ لعملاق شعر العامية المصرية فؤاد حداد، هو قصيدة “سحور أبي الطيب” (كتبت سنة 1982، ولحنها حازم شاهين عام 2009، لكنها اشتهرت بعد ثورة يناير 2011).

الكلام أيضا لفؤاد حداد، الذي هو في شهر العامية المصرية كمحمد عبد الوهاب في الموسيقى، لا يعرف، وإنما يكفي ذكر اسمع كصفة لفن يعلو ولا يعلى عليه.. تدفق مذهل، موسيقى صاخبة، ومزاوجة مبهرة بين العامية (صلب القصيدة) والفصحى (المنثورة بداخلها في صورة أبيات فصيحة في وسط القصيدة، مثل قوله: كنت في الأشعار أبو الطيب/ من حما لي الدار حما ديني/ سيفي من أبطال حماديني…الخ)، على الطريقة التي ابتدعها فؤاد حداد منذ ديوان “المسحراتي”، وتكررت في كل دواوينه التالية.

أما اللحن، فيمثل تجربة موسيقية رائعة لحازم شاهين وفرقة اسكندريلا، مستوحاة من تقليد حلقات الذكر (فكأن هذا الاستيحاء لحنيا، يوازي الاستحضار الدائم للتاريخ العربي والإحالات لأبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني في قصيدة فؤاد حداد).

هكذا يبدأ الشعر أولا، ثم يدخل الإيقاع ومعه الإنشاد المنغم في مقام الكرد، ويلي ذلك دخول حازم شاهين بما يشبه الليالي من جواب درجة الري (التي يبدأ وينتهي بها مقام الكرد، فينشد حازم شاهين من الجواب –أي النغمات العليا الحادة- بينما تردد الفرقة الأبيات بإلقاء منغم على القرار –أي النغمات العميقة- في درجة الري نفسها).

هذا التسجيل ليس الأفضل من زاوية الصوت، لكنني اخترته لسببين، الأول أنه من الحفلة الوحيدة التي أحيتها فرقة اسكندريلا في غزة، والثاني لأنه يتضمن إلقاء في البداية من الشاعر العظيم أمين حداد، يليه دخول رائع لسامية جاهين وباقي الفرقة. إلقاء أمين حداد غير طبيعي، مذهل ومتوحد مع المعاني التي يقولها بشكل صوفي، ينقل هذه المعاني للمستمع بطريقة رائعة وبدون أدنى تكلف تمثيلي.

استمتعوا وتسلطنوا!! وغنوا فلسطين.. تسمعوا مصر، فتنتهي أيام الوطن اللاجئ، ليبدأ يوم الوطن المنصور.

موعدنا الأسبوع المقبل!

(ملحق)

للمزيد من السلطنة: 40 أغنية مصرية عن فلسطين

 هذه قائمة مختارة بأغاني عن فلسطين، تغطي التيمات الأربع التي تكلمنا عنها في المقال، وتمثل في نظري أجمل ما غنته مصر لفلسطين. يمكن الاستماع لجل هذه الأعمال على شبكة الإنترنت (مواقع يوتيوب/ساوند كلاود وما شابه)..

الملحن الأغنية/الأغاني
محمد عبد الوهاب 1. قصيدة فلسطين (أخي جاوز الظالمون المدى) 2- لحن الشهيد (يا خيال النصر) 3، 4- أصبح عندي الآن بندقية (لها تسجيلان رائعان الأول بصوت عبد الوهاب على العود، والثاني بصوت أم كلثوم مع الأوركسترا وتوزيع علي اسماعيل الجميل) 5- والله وعرفنا الحب 6- صوت الجماهير 7- الوطن الأكبر 8- قولوا لمصر تغني معايا في عيد تحريرها 9- قصيدة ذكريات (لعبد الحليم حافظ) 10. أيها الساري
رياض السنباطي 11، 12- قصيدتي يا مجاهد في سبيل الله، ويا قدس يا حبيبة السماء، وكلتاهما بصوت المطربة العظيمة سعاد محمد.
سيد مكاوي 13- ولا في قلبي ولا عينيا إلا فلسطين 14- ازرع كل الأرض مقاومة 15- الأرض بتتكلم عربي 16- حلقة القدس من ديوان المسحراتي، وجميع هذه الأغاني من أشعار فؤاد حداد.
بليغ حمدي 17- فدائي 18- المسيح، وقد غنى الأغنيتين عبد الحليم حافظ.
علي إسماعيل (ملحنا) 19- قصيدة لآخر نقطة في دمي (غناء فايدة كامل) 20- الملحمة الغنائية “النار والزيتون” (شعر محمود درويش)
علي إسماعيل (موزعا) أغنية المسيح – أغنية أصبح عندي الآن بندقية
فريد الأطرش 21- ثورة فلسطين 22- المارد العربي
محمود الشريف 23- نشيد عائدون
أحمد صدقي 24 – نشيد غزة (غناء محمد قنديل)
محمد الموجي 25- على رأس بستان الاشتراكية
كمال الطويل 26- يا أهلا بالمعارك
عمار الشريعي 27- هز هلالك يا صلاح الدين (كلمات سيد حجاب، غناء علي الحجار، غنيت بمناسبة الاحتفال بمئوية دار الهلال).

28-عربية يا أرض فلسطين (غناء أمال ماهر).

فاروق الشرنوبي 29- عم بطاطا 30- فلسطيني (رفاقي الوحدة والمنفى) الأغنيتان من كلمات جمال بخيت وألحان علي الحجار
الشيخ إمام 31. أناديكم (أشعار توفيق زياد) 32. الخط ده خطي 33. يا فلسطينية 34. تكرم عين الشعب الزين
أحمد إسماعيل 35. ازرع كل الأرض مقاومة (بلحن مختلف عن لحن سيد مكاوي ولا يقل جمالا عنه).
محمد عزت 36. نشيد كل حي في مصر يسمع.
 ياسين التهامي 37. قصيدة “المسجد الأقصى أسير”.
حازم شاهين وفرقة إسكندريلا 38. سحور أبي الطيب (كلمات فؤاد حداد) 39. بالعبري الفصيح 40. يحكى أن (الأغنيتان الأخيرتان من أشعار أمين حداد).

 

*كاتب وأكاديمي مصري

عن موقع “أصوات مصرية”

 

 

 

 

0 تعليق على “مصر تغني فلسطين / د.ياسر علوي”

أضف تعليق