نور عبد، الشارع منقولا إلى الصالة

10 أغسطس 2011

 

 

 

| أسماء عزايزة |

تكمن قوة الأعمال التركيبية هنا ليس في الترجمة والأدوات التعبيرية ودقة العمل فحسب، إنما في الموضوعة؛ أصعب ما في الأمر أن تعالج موضوعة مستهلكة في الفن؛ كالمرأة. دائمًا ما يكون الواقع الذي تعيشه المرأة العربية أشد قسوة من الفن الذي يحاول التعبير عن هذا الواقع، أكثر “وقاحة” وجنونًا. نتناول في تفحصنا لهذه النعوت، في أعمال نور هذه المرة، لا في الواقعي/ المصدر الذي جلبت منه أفكارها، ثلاثة على الأقل. الأول (أنظر/ي الفيديو) يقوم على البساطة ولكن الفذة، الجريئة، الباردة ولكن المليئة بالدلالات. لم تعتمد الفنانة على النقل المطابق أو التمثيل أو الإيماء، إنما فقط على نقل الكلمة دون شحنات؛ الكلمات والتعابير التي تسمعها النساء في معاكسات الشارع. ولو كنت رجلا من هؤلاء الذين يطلقونها لكان هذا العمل، ببساطته، بمثابة مرآة؛ أن “تسمع” ما تقول، لا أن تقله فحسب. أن تدخل هذه الجمل إلى أذني مباشرة، وببرودة الملامح والصوت التي تظهرها الفنانة، لا عن طريق لعب دور الضحية الضعيفة.

العمل الثاني والثالث، وهما يعالجان جزئيتين تصبان في ذات الموضوعة/ المقولة؛ كيف أن المنظومة المجتمعية أو الدينية تصمم مظهر المرأة المتمثل باللباس والحجاب الخ.. تلبس الفنانة في الصورة أعلاه “حجابًا” هو أقرب إلى “الباروكة” مصنوعًا من شعر نسائي. هل يصبح الغطاء هنا حجابًا؟ هل يصبح شرعيًا حتى وإن صنع من المحظور- الشعر؟ هنا، استطاعت الفنانة أن توصل لنا عبثية الفكرة! قد لا تصل إلى بعضنا، ولكنها قدمت تضادًا واضحًا ومباشرًا. كذلك، تظهر الجزئية الثانية عن طريق عملها المعنون بـ”روتين” والذي أرادت له نور أن يكون أبيض؛ منزوعًا من الألوان والأشكال التي تختارها المرأة عند خروجها من البيت، إلا من الشكل الذي يرغب أن يراه المجتمع/ الرجل. وهي قامت، فعلا، فنيًا، بعرض اللباس في الشارع أمام الناس حتى يكتبوا ما يخطر ببالهم حال رؤيته مشدودًا على جسد، أي جسد. إذن هي أيضًا محاولة لنقل الواقع في الخارج إلى صالة العرض، ما من طريقة أخرى لتقريبه إلى الحقيقة المعاشة لا إلى النظرية التي تتبناها المرأة وتحارب فيها الرجل؛ وهذا ما يجعله قادرًا على تجاوز الأدوات الفنية المستهلكة في ترجمة موضوعات يومية وقريبة وحقيقية تخص المرأة العربية.

Daily Life from Noor Abed on Vimeo.

ليس مسخًا!

كلما اطلعت على أعمال الفنانين التشكيليين الشباب أتساءل: “هل نبحث عن الجديد أم الحقيقي”؟

يتطلب عصرنا الحاضر، الكثيف والغزير من الفن عنصر التجديد بقوة قد تكون أكبر من الصدق/ الحقيقة. إلا أن حضور الحقيقة الفذ في العمل الفني يبدو أحيانًا كافيًا. ماذا تقول هذه الوجوه التي ترسمها نور عبد؟ رأيت وجوهًا تشبهها في أعمال فنية لفنانين آخرين، وهي تبث ألفة مسبقة وفظيعة. لم يكن يعنيني هنا أن أبحث عن أدوات الفنانة، أسلوبها، عناصرها اللونية والخطية الجديدة بسبب طغيان الحقيقة في تلك الوجوه “المشوَّهة”.. هل نحن مشوَّهون هكذا؟ قد يظهر السباق نحو الجديد والتجديد في عصر الحداثة عند مختلف أنواع الفنون؛ ومنها الفنون البصرية، ضربًا من الجري نحو المجهول. فظهور أسلوب فني جديد هو فعل تراكمي، قد يجده فرد خاص جدًا، في أحوال نادرة، وقد تشكله جماعة تسير في خطوط ورؤى متشابهة. أذكياء أولئك الذين لا يجتهدون في هذا السباق حين لا يجدون جدوى منه، ويكتفون بأن يظلوا “أبطالا” في ساحاتهم التي انتصروا فيها، مشغولين بتثبيت فكرة، أسلوب، “حقيقة”، ولو كانت من صنعهم، آمنوا فيها. تنشغل نور، برأيي، من خلال اللوحات الزيتية، في تثبيت شكل الإنسان/ حقيقته التي يغطيها القناع الدائم. إذن من هذه الكائنات العجيبة غير نحن؟ لا يكون فنًا إن كان عملا فانتازيًا نقلته نور من أحلامها عن الكائنات الفضائية! إنه التجريب في محاكاة الواقع الرابض تحت السطح، ذاك الذي نحاول تغييبه. هو استغلال الخط واللون لصالح نزع بعض الأقنعة. إن ركزنا على جزئية واحدة في لوحاتها، وهي “العيون”؛ بعضها مغلقة- نحن العميان؛ بعضها الذابل- نحن الحزانى مع ابتساماتنا الذابلة؛ وبعضها المعاقة- نحن الذين نرى الأشياء بمعايير مُصنَّعة ومختلقة. لا ضير في أن تدخل نور سباق التجديد، ولكنها حسنًا فعلت في الوقوف عند فكرة تجاوز السطح لصالح الواقع، بدلا من رسم السطح لصالح الجمالية.

Untitled from Noor Abed on Vimeo.

 

 

2 تعليقات على “نور عبد، الشارع منقولا إلى الصالة”

  1. علاء حليحل قال / قالت:

    هذه المرة الأولى التي أرى فيها أعمال نور. رسوماتها قاسية ومثيرة، فيما تنغز الأكعاب العالية في العين والجسد!
    فيلما الفيديو آرت قويان وغير اعتياديين؛ طلاء الأظفار الأحمر الذي يتحول من زينة إلى مذبحة صامتة؛ جمل التحرش الجنسي التي تحولت من لغة شارع إلى لغة الضحية، بمفارقة كبيرة.
    فنانة مثيرة حقا!

  2. زياد خداش قال / قالت:

    يا له من صباح جمبل شكرا نور شكرا أسماء
    من النادر في بلادي أن ارتطم بعمل فني صادق وحقيقي وابن تجربته، أذهلتني رمزية طلاء الأظافر، رأيت فيها وقوعا في أسر ما، كم هو رائع ان نقارب همومنا الشارعية بطريقة شاعرية، جمالية، قرأت في السابق بعض كتابات نور، واعجبت بها، هنا ايضا تبدع في التشكيل والاحساس البصري،
    أصاب دوما بخيبة أمل في العثور على ما يبهجني فلسطينيا فنيا
    سواء في القص او الشعر او الرواية او المسرح او السينما
    حين يحدث عكس ذلك ذلك
    يكون بمثابة مكافأة او دعوة لعشاء مع ملائكة كرماء
    شكرا جدا قديتاااااااا

أضف تعليق