إن كنت أسامح/ حبيب شحادة حنا

30 ديسمبر 2011

|حبيب شحادة حنا|

مونولوج لمحمد القصبجي، ذلك الموسيقار الذي استمعنا إليه من خلال الآخرين، وكأنه المختفي من وراء ليولد وليخلق وليبدع، ومن هذه العبقرية ولدت عبقرية لا تقل وهي أم كلثوم، فأمطر الثنائي بغزارة ما هو خالد وما هو باق كبقاء النغمة.

تتجسد هذه العبقرية التلحينية في مونولوج “إن كنت أسامح”، والعبقرية الأدائية الغنائية فيه، ما أدى إلى صدمه ثقافية في داخلي قرابة النصف عام أو أكثر، وكأنّ منه، من هذا الإبداع، تم استردادي إلى ما هو عليه أنا اليوم، وإن كنت في مكان آخر وزمن آخر. فقد انتفضتُ وانتقصتُ واقتصرتُ في دراستي على ما هو غربيّ، إيمانا بثقافة السائد الآخر القوي نتيجة لسيطرتها الكامنة فيها، اعتقادًا بأنّ من خلالها تنطلق الموسيقى إلى عالم الحرية الأدائية والتعبيرية والفكرية، إلى جانب القناعةَ بوجوب نقد الذات أولا ومن ثم تهديم كل ما هو أبوي في الهاجس الداخلي، من الخاص إلى العام أو بالعكس.

اِعتقدت وقتها أنني بحاجة إلى تغيير كامل في اللغة أو في مكوّناتها، أو الأجدر اغتصابها لتغيير ملامحها، وعلى هذا الفكر انتهجتُ واتجهتُ إلى كل ما يملكه الآخر كأداة لمحاربة التجارب المهينة والمحبطة في نظري، والتي تعيشها أمة كاملة في أواخر الألفية الثانية، عندما كنت لا أزالُ طالبا لعلم الموسيقى والنظريات والتلحين (الغربي). وفي رفضك هذا يأتيك غياب الذات في هذه المرحلة، رغم أنه ضروري لترجمتها لغةَ جديدة وإن كانت غير مبتكرة فهي مصطنعة من كل ما هو جيد، وتسير في هذا إلى ما هو آتِ، بكل قناعة ممكنة، وعندها ترفض الشرق لأنه شرقي. والشرقي “يعني” استخدام كل ما هو ممكن في المواضع الفنية الخاطئة؛ ففي شعب تسود فيه ثقافة الأعراس، التي كانت آنذاك الاستهلاك الثقافي الموسيقى الواحد والوحيد، المقرون بهمجية الطعام والشراب في آن وتتبّل بغناء النجم (ولا مرة نجمة) لاجترار ما اجترته الشعوب ثقافة وشرابا وأكلا، فتكره ما يحبه الجميع وتسخط على الثقافة البديلة عن الإبداع، وتضيع إلى ما لا تنتمي إليه.

في هذه الظروف الممتعة لرسم الشخصية الفنية الموسيقية والأكاديمية، تنتفض أمام انتمائك، رغم أنه لم يرفضك، وتنتمي إلى ما هو آخر رغم أنه لم يقبلك. وتأتيك أم كلثوم كخطة رسمها أعظم علماء النفس لإنقاذ نفسك ولتقول لك عبر هذا المونولوج: لحظة.

إنّ الفكر الأدائي الغنائي والتعبير الذي فيه مستحيل؛ فأم كلثوم ترسم بحنجرتها صورة بيانية لخطوط لحنية فيها من الرقة والقوة والتقنيات المستحيلة الأداء في آن واحد؛ فتقنيات استعمالها لحنجرتها البشرية المزروعة في الذاكرة الحضارية الشريفة لكلّ موسيقي ومثقف ومتذوق، ليس فقط في الشرق وإنما في العالم أيضًا، هي كاستعمال العازف الموسيقيّ لآلته الموسيقية في أوجه. وفي أدائها الغنائي تضاهي أروع المهرة في فن الأداء الآلاتي الموسيقي من الغرب والشرق، أي أنها أخذت آلاتها -صوتها- ووظفته بطريقة لم يعهدها لا الشرق ولا الغرب.

واكتمل مشروعها بالألحان الموسيقية التلحينية الموضوعة بحكمة وبتجديد وبذكاء، وبدراسة متقنة تُضحي إبداعا، لأنها لا تخلو من مفهوم التجربة في الفن الموسيقي. هكذا كان “القصبجي”، وله كانت “أم كلثوم”، ليفتحا لي العالم الإبداعي الخارق الذي عاشه الشرق قبل الناصرية في العالم العربي الكلي، لأعي ولأفهم وأنتبه إلى أنّ ما هو باقِ بقاء النغمة هو ما يجعلك تعود إلى ذاتك المنتفضة بفخر، وتجتاز مرحلة الثقافة السّائدة لتزرع فيك أملا في الانطلاقة من جديد، وكأنّنا في مرحلة انتقالية معينه نحاول تجاوز ذاتنا الموسيقية التي تسيطر عليها حنجرة أم كلثوم الآلاتية، وعزف القصبجي وتلحينه وملكية التجربة الإبداعية الباحثة فيه، لتضيء أمامنا سبلا من الفخر والاعتزاز والحب والأمل والعطاء.

إليهما ينضم كثيرون، ولكل منهم لون آخر وتجربة أخرى، فتغرس في داخلك إيمانا جديدا، وطاقة خضراء إلى أبعد الحدود ويبقى أن تتأمل وتأمل أن يأتي أحدهم بعد حين ويتحدث عن التجربة الموسيقية الفلسطينية الحديثة ليعتبرها نوعًا من الاستمرار.

*موسيقي فلسطيني

4 تعليقات على “إن كنت أسامح/ حبيب شحادة حنا”

  1. إرحموووناااااااااا !!! قال / قالت:

    أنا قارئة على جانب ما من الثقافة الموسيقية.
    قرأت هذه المقالة(؟؟) عدداً لا بأس به من المرات.
    لا يمكنني ان اسيء إلى “فحوى المادة المنشورة” لأني بصراحة لم أجدها !!
    لذلك أرجّح أن تكون هذه المقالة(؟؟)، إما:
    1- قصيدة نثر غامضة الطلاسم.
    2- لغز كلمات متقاطعة، يحتاج إلى حل مقنع.
    3- نكتة، أو مزحة (بمناسبة الأعياد مثلا؟).
    4- وهو الأرجح: مقالة مقتبسة ومترجمة بركاكة شديدة عن لغةٍ أخرى. إذ أن الـ”بنية اللغوية”، تذكرني بترجمات “جوجل”.

    كل الإحترام :)

  2. حمار قال / قالت:

    الألحان الموسيقية التلحينية!!!
    انا عايز أضيف، هي فوق ما كانت رقاصة.. كانت بترقص!!

  3. بشير عيَّاد ( متخصص في أمّ كُلثوم ) قال / قالت:

    على مدارِ خمسةٍ وعشرينَ عامًا ، أعملُ في حقلِ ” أمّ كُلثوم وشعرائها وملحّنيها ” من خلالِ الصحافة والإذاعة والتليفزيون وأخيرا الانترنت ، كتبتُ عنهم مئات المقالات ، وقدّمتُ أكثرَ من 1500 ساعة بالإذاعةِ والتليفزيون ( موجود منها الكثير على الانترنت ) ، كما أصدرتُ كتابًا عن أحد شعرائها وهو أستاذنا الراحل العظيم عبد الوهاب محمد ، أصدرته في يناير 1998 ، وجاهز الآن بأضخم عمل ورقي عنهم بعنوان ” أمّ كلثوم … عصرٌ من الشعراء ،،، إبحارٌ في جماليّات النصّ ” سيصدرُ في ثلاثة آلاف وخمسمائة صفحة ( بمجرّد استقرار الأوضاع في مصر ) … على الجانب الآخر فإنّ مشروعي الأكبر هو نقد الشعر القديم ، ولي كتب ودراسات ومقالات وحلقات إذاعية كثيرة ( وهذا متاح على النت ) .
    أي : أحفظ كلّ ما يتعلّق بأمّ كُلثوم وجنودها من ناحية ، ومن ناحيةٍ أخرى محسوبٌ على أهل الفصحى في أعلى درجاتها …..
    ولذلك …. أستغرب من التعليقين أعلاه !! هذا المقال ـ لغةً ـ ليس به هفوة ، ومن ناحيته الموسيقيّة أراه عميق المغزى ، بالرغم من أنه لم يدخل بنا في عمق التحليل الموسيقي !!
    الرجلُ ـ بصدق ـ أضافَ قيمة جديدة إلى ما نعرفه عن فنّ أمّ كُلثوم ، وهي قيمة ” افتخارك بانتمائك إلى الشرق ” مهما يكن انبهارك ـ وتخصصك ـ بفنون الغرب !!
    شكرًا للأستاذ حبيب شحادة ، وكان الله في عونه !!

  4. سميعه قال / قالت:

    مقال رائع يدمج بين التجربه الشخصيه المحضه لكاتب المقال الموسيقي حبيب شحاده حنا, حاله اليأس واللا انتماء التي يشعرها الكثير من الموسيقيين العرب الكبار نحو موسيقانا الشرقيه في وقت من الاوقات بسبب الحضيض الفني واللاستمرار الذي يعانيه الفن الشرقي الحديث, وبين النظره العلميه الباحثه في الامور والمحلله لصوت الشرق ام كلثوم ولالحان القصبجي.. شكرا لك استاذنا حبيب شحاده على كلامك الصادق ووضوحك في تصوير الامور ..جعلتنا نشعر اكثر واكثر بالفخر والانتماء للفن الشرقي الاصيل..ننتظر منك ومن الموسيقيين الكبار امثالك ان تحققوا لنا هذه الاستمراريه الفنيه علنا نعود شعبا اكثر انتماءا لذاته ولحضارته..

أضف تعليق