السلاح في لبنان: فوضى ومخلفات الحرب الأهلية

لبنان يعوم فوق بحر من الأسلحة غير القانونية والحكومة عاجزة عن السيطرة على انتشارها • جمع الأسلحة غير المرخصة من المواطنين يرتطم بعوائق قانونية وأخرى تتعلق بالعقلية السائدة، وحاليًا: الأسلحة في لبنان على قفا من يشيل…

السلاح في لبنان: فوضى ومخلفات الحرب الأهلية

اشتباكات عناصر من حزب الله مع جمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش) في بيروت

اشتباكات عناصر من حزب الله مع جمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش) في بيروت

..

|ياسر أبو معيلق|

أظهرت الاشتباكات الأخيرة بين عناصر من حزب الله وجمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش) في بيروت المستوى الذي وصلت إليه فوضى السلاح في لبنان، في ظلّ رد عجز الحكومة اللبنانية عن مواجهة الموقف.

ولا يزال لبنان، الذي عانى حربًا أهلية طاحنة استمرّت ما يقرب من خمسة عشر عاماً، يواجه حتى اليوم ظاهرة انتشار الأسلحة غير المرخّصة، وذلك في ظلّ تعدّد المليشيات والفصائل المسلحة وغياب التشريعات القانونية التي تتيح للمواطنين الحصول على ترخيص الأسلحة التي بحوزتهم أو حتى تسليمها دون الخوف من عواقب قانونية.

إرث ثقيل من الحرب الأهلية

ويقول فادي أبي علام، رئيس حركة “السلام الدائم” في لبنان، وهي منظمة غير حكومية تسعى للتوعية بقضية السيطرة على انتشار الأسلحة الخفيفة في لبنان، إنّ الحكومة اللبنانية لم تقم إلا بجمع الأسلحة الثقيلة المتوسطة بعد انتهاء الحرب الأهلية، تاركة المجال مفتوحاً للكمّ الهائل من الأسلحة الخفيفة المتبقية، كالمسدسات والبنادق الأوتوماتيكية من طراز AK-47، والتي انتهى بها الأمر في خزانات معظم المنازل اللبنانية.

خلفت الحرب الأهلية في لبنان جراحاً عميقة وآثاراً باقية حتى اليوم، من بينها انتشار الأسلحة الخفيفة في كل بيت تقريباً.

ويقسّم أبي علام الأسلحة الخفيفة غير القانونية في حيازة المواطنين إلى قسمين: أسلحة متوارثة متروكة أباً عن جدّ، قد تشكل خطراً كبيراً على العائلات، خصوصاً على الأطفال، لقدمها ولسوء صيانتها، وهناك أيضاً أسلحة تعرف في لبنان بـ “الأميرية”، وهي أسلحة موسومة بختم خاص وتعود ملكيتها في الأصل إلى الجيش اللبناني أو قوات الأمن الداخلي، كان قد تم الاستيلاء عليها خلال الحرب الأهلية. ويخشى مالكو هذه الأسلحة من تسليمها إلى السلطات المعنية خوفاً من أية مساءلة قانونية قد ترافقها، ولهذا السبب تبقى هذه الأسلحة جزءاً من حلقة التداول في لبنان.

إلى ذلك ثمة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، التي “بشكل ما أو بآخر لديها نوع من الأمن الذاتي وتمتلك سلاحاً، ولم تدخلها (سلطة) الدولة اللبنانية بشكل كامل”، بحسب الخبير اللبناني. وهناك أيضاً قضية “سلاح المقاومة”.

بيروت منزوعة السلاح “مستحيل”

وكان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قد شدّد على ضرورة الحدّ من ظاهرة انتشار السلاح في لبنان عامة والعاصمة بيروت خاصة، وأنّ حكومته ستتخذ ما وصفه بالقرارات الجريئة لمواجهة ذلك. جاءت هذه التصريحات عقب الاشتباكات المسلحة التي وقعت مساء الثلاثاء الماضي بين عناصر من منظمة “حزب الله” وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية المعروفة بالأحباش في أحد ضواحي بيروت، راح ضحيتها ثلاثة قتلى، وتعتبر من أعنف الاشتباكات منذ المعارك التي دارت في بيروت في مايو/ أيار عام 2008.

ويعتقد رئيس حركة “السلام الدائم” في لبنان أنّ مسألة تحويل بيروت إلى منطقة منزوعة السلاح بشكل كامل أمر مستحيل، وذلك لصعوبة مراقبة مداخل ومخارج المدينة العديدة، إذ أنه من غير الممكن برأيه “تسمية منطقة منزوعة السلاح في لبنان دون منطقة أخرى، لأنّ هذا يعني ضرورة المراقبة الدائمة لجميع مداخل بيروت، لأنها ليست مدينة معزولة عن محيطها وهي موصولة جغرافياً بالجنوب والشمال. إذا نزعنا منها السلاح اليوم فأعتقد أنها ستمتلئ بالسلاح خلال ساعات”.

14851049

وبالرغم من أنّ جدية الحكومة اللبنانية في تنظيم الأسلحة غير القانونية في البلاد واضح من خلال سيل التصريحات التي أعقبت اشتباكات الثلاثاء، إلا أنها ستواجه عقبات كثيرة على طريق تحقيق الأهداف المنشودة، أولها وأهمها العقبة السياسية، بحسب فادي أبي علام، والذي يعتقد بوجود “جهات تتخوف الدخول من هذا الباب إلى مسألة جمع كل الأسلحة في لبنان واعتبار كل الأسلحة غير قانونية. الجدل قائم في لبنان، وواضح أنّ المقاومة المسلحة في لبنان ستبقى طالما بقي احتلال لأراضٍ في لبنان. نحن لا نزال حتى الآن في حالة حرب مع إسرائيل”.

عقبات وعقليات

العقبة الثانية هي القانونية، والتي تتمثل في تخوف المواطنين الذين يحملون أسلحة غير مرخصة تعود إلى زمن الحرب الأهلية من تسليمها للسلطات الأمنية، وذلك لاحتمال تعرضهم للمساءلة القانونية أو حتى لعقوبات. في هذا الصدد يقترح أبي علام أن يقوم المجلس النيابي في لبنان بتعديل قانون الأسلحة ليشمل فترة زمنية معينة يسمح فيها لحاملي الأسلحة غير القانونية بتسليمها دون أي مساءلة. خطوات أخرى قد تشمل السماح لمن يرغب في حمل السلاح بترخيصه لدى السلطات المختصة، وأخيراً جمع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي لا تمت بصلة إلى العمل المقاوم المشروع في لبنان وجعلها بيد الجيش.

إلا أنّ الحاجز الفعلي الذي يقف في وجه هذه الإصلاحات يبقى تحوّل السلاح في المجتمع اللبناني من وسيلة للدفاع عن النفس أو الوطن إلى أداة للتعبير عن المشاعر، سواء أكانت فرحاً أم حزناً أم غضباً؛ فثقافة استخدام السلاح السائدة في لبنان وعدد من الدول العربية الأخرى، كإطلاق العيارات النارية في الأعراس أو في الجنازات، تتسبّب في مقتل العديد سنوياً جراء سقوط هذه الرصاصات على رؤوس الناس. إضافة إلى ذلك يعتبر لبنان من الدول ذات أكبر نسبة انتحار باستخدام الأسلحة النارية. لذلك يطالب فادي أبي علام ويسعى من خلال منظمته لتغيير هذه العقلية، والتي تعتبر خطوة على طريق التحكم في فوضى السلاح بلبنان.

(عن “دويتشه فيله”)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>