صوت من الجبل/ جواد بولس

|جواد بولس| “كِليني لهمٍّ يا أميمةَ ناصبٍ/ وليلٍ […]

صوت من الجبل/ جواد بولس

|جواد بولس|


جواد بولس

“كِليني لهمٍّ يا أميمةَ ناصبٍ/ وليلٍ أقاسيهِ بطيءِ الكواكبِ”. ما أشبه ليلنا بليل النابغة الذبياني. بطيئةٌ كواكبُه متثاقلة وكأنها علقت، فأعيت كبارًا يتمنون على “أميماتهم” أن يفرحوا ويتهللوا، وللكبار شقاء العقل والمكابدة في دامس الظلام. صغار اليوم كالأمس، صبحهم نزوة. وكبار اليوم، كالأمس، صبحهم شهوة .

ليالي الشرق طويلة. واليوم، من باب مجازٍ، خلاصة عارضة توضّح، وعِبَر تنضح. يوم “الجمعة الحزينة”، يوم المسامير دُقّت في راحتيّ “ابن الإنسان”، حين علّقه الرومان، حكّام ذلك الزمن، على خشبة، راضين ومُرضين يهودًا استقووا وأمروا. إنّها أيام الخَلِّ تُسقى لعطاشٍ، كما سُقيت لِعَطشان “نزل من السماء” ليروي بموته قحل أمم وجفاف أرض وظمأ فقراء ومساكين، ويضحّي من أجلهم ومن أجل خلاصهم.

ليالي الشرق شوكٌ، كذاك الإكليل وضع على هامته “ملكًا” ليسخر منه طغاة تجبّروا ويذلوه أمام تلاميذه ومريدين جاؤوه حشودًا على مشارف أورشليم، يستقبلونه بالسباسب، وهي سعف النخيل في لغة ذلك الزمان، والأهازيج. متمردًا كان على حكام ظالمين ومنافحًا وعَّاظَ سلاطين، كهنة استفردوا بما ملكوا وما آمنوا. كفّروه وخوّنوه فكان “قضاؤهم” خياره. موت/فداء. قيامة/خلاص. أمل لبؤساء مؤمنين يحيي، وعقيدة أرست لدين أشهر أنه جاء ليكمّل، لا لينقض ويلغي. دين جُلُّ جوهرِه شعّ على جبل بموعظة أصبحت تعرف “بموعظة الجبل”. أمّا الجبل ففي مكانه راسٍ والوارثون لمن كانوا شهودًا وسمعوا، أهملوا الوعظة والاتعاظ.

أسبوع الآلام كان ولمّا يزُل. كانت أورشليم حزينة، عذاراها يبكين مَن بَشّر المساكين بملكوت السماوات وبشّر الحزانى بالعزاء. كما كان هكذا اليوم، “في كل مرمى صليب وأم حزينة/ قُدَّس الرب هذا مخاض المدينة”- فلا عزاء إلٌا إيمانهم، لأن العشّارين هم العشارون، يطردون “الأنبياء” كما طردوا من سبق من أنبياء.

عيد “الفصح” أسموه. عيد العبور، عيد التجاوز والخروج. فبعد الموت حياة، وهي لمن يحسن الاعتبار ويتّعظ، فحتمًا مصيره سيكون بجوار “الفادي” مع القديسين والملائكة. عيد “القيامة” هو العيد الكبير فمن آمن بها وعمل الصالحات سيُصطفى يوم الدين وسيكون أوّل من يسمع نداء الرب للحياة الأبدية.

إيماننا، صغارًا، كان من باب خوف وغريزته الأقوى إزاء المجهول والمطلق. تطبّعٌ من السالفين إذ ورثوا ورددوا “أن هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنفرح ولنتهلل به”. لم يبقَ إلّا الفرح الإنساني، فالقيامة أُسكنَت بيضةً نلهو بها ونفاقس بيض أترابنا، لنكسب وننتشي أو لنخسر ونخذل. في الحالتين مصير البيض في أجوافنا إفطارًا شهيًّا في عيد القيامة! أمّا إكليل الشوك فأصبح كعكًا من قمح الأرض يعجن ويحشى بالتمور والجوز والسكر. وإسفنجة الخل استقوى عليها مخيالُ العامة بحبات معمول تصنّع بفرح عائليٌ، لتؤكل أطايبَ فلا الخل يغلب ولا طعمه اللاذع.

تحايلات بشرية على هشاشة الرمز والمعنى، وإرث إنسانيّ تناقلته الأمم وسائل إيضاح بدائية لعقول، مهما سمت، تبقى القيامة عليها عصيّة. تجسُّدٌ، لاهوت بناسوت واتحاد مع روح قدس، أقانيم ثلاثة في واحد نُصّت بدستور بدون الإيمان به لن تكون مسيحيًا. أطفالًا علمونا فحفظناه، وما زالت عقول تقدح لتشرحه وتقنع. كما حفظنا “دار دور” حفظنا “أومن بإلهٍ واحدٍ آبٍ ضابط الكل”، فبربكم أيُّ طفل استوعب وأيُّ عقل استنار؟

هو القلب حصن الإيمان والعقيدة، ففي حجراته يتدفأ العجز وتسكن الأماني.

عيد اليوم كعيد الذبياني ولا يختلف عنهما عيد أبي الطيب. فرح مستقحَم وإلفةٌ عابرة. همٌّ ينام ولا يترك حيزًا لنوم صاحبه. حلوى وحلوى تطرد كل مرِّ ومالحٍ وكأن “المعلم” لم يخاطبهم هناك على الجبل “بأنتم ملح الأرض ولكن إن فسد الملح فبماذا يملٌح؟”. أوَلم يخص الملح؟ فكم منه باقٍ ولم يفسد بعدُ؟.

عيد الحياة والفداء والتضحية. عيد الحب والصفح. فهناك على الجبل أوصى: “أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم وأحسنوا لمبغضيكم”، أوصى ومشى إلى أورشليم حيث أكملَ الرسالة والطريق. ما أروعها طريق ووصية وما أعصاها على فهم ابن آدم، ابن الخطيئة والغريزة والغرور!

نحب؟! كي نحب علينا أن نحيا وأعداؤنا لا يريدون لنا إلّا الموت! نبارك لاعنينا كيف؟ وهم سكبوا الصموغ في آذانهم فأمسوا صمًّا لا يسمعون. أمّا لمبغضينا لن نحسن، فهم يصرون على أن ما لهم لهم وما لنا لهم أيضًا. لا حسنة ولا منّة بل سطو وقتل وانتهاك.

عذارى أورشليم بكين وبكت معهن من اصطُفيت وطُهِّرت واصطُفيت على نساء العالمين، دموعهن سالت في درب الآلام، والدرب ما زال نفس الدرب يمتص دموعَ الحزانى والفقراء والمساكين. سيلجأون، كالسالفين، إلى البيض والكعك والمعمول ليحتفلوا بقيامة السيد، ولدى البعض ما هي هي إنّما شُبٌهت لهم.

أمّا أنا فسأمضي هذا العيد مع من وصفهم الذبياني: “رقاق النعال طيب حجزاتهم/ يحيون بالريحان يوم السباسب”، بكثير من الريحان ولهاثٍ وراء من كانوا وسيبقون ملح الأرض: إخوتي في الحب والفكر النيِّر والعمل الصالح والعطاء، فكل عيد وجميعكم فوق الأرض.

(كفر ياسيف)


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>