أمر مُبكياتك/ جواد بولس

|جواد بولس| وفقًا لما انعكس في وسائل الإعلام العربية ال […]

أمر مُبكياتك/ جواد بولس

جماهير يوم الأرض قبل يومين. ماذا تغير من العام الماضي؟


|جواد بولس|

جواد بولس

وفقًا لما انعكس في وسائل الإعلام العربية المحلية، ووفقًا لتقييمات مَن تحدث من قادة ومسؤولين إلى هذه الوسائل، فقد كان النجاح إكليلًا توَّج فعاليات إحياء الذكرى الـ35 ليوم الأرض.

من الصّعب إخضاع هذه المسألة لعملية تدقيق وفحص مِخبَرِيَّين، أولًا لأن مقاييس النجاح والفشل تكون دائمًا نسبية، وثانيًا لأنّ الداعين لم يحدّدوا أهدافًا عينية إليها يُقاس النّجاح ونسبته.

عرفت جماهيرنا ومارست أسلوب النضال السياسي عن طريق الإضرابات الشعبية الجماهيرية. فهذه أداة من أدوات النضال السياسي، وفي حالتنا نحن في إسرائيل، لا شك أنّها من أرقى أساليب النضال المتاحة والقابلة للتفعيل.

إطلاق الصرخة والتعبير عن الموقف الشامل في القضية التي تكون عنوانًا للإضراب، شأنان هامّان وضروريّان، وهما يكتسبان وزناً إضافيًّا في حالة مراكمة رصيد وطنيّ بين أفراد المجتمع وتزويدهم بجرعات من الحصانة والصمود في وجه ما تفرزه وتمارسه مؤسّسات الدولة من قهر وتمييز عنصري متناميين.

إنّه من فئة الإضرابات السياسية الاحتجاجية التي لا ترافقها قائمة من المطالب، تحقيقها أو عدمه يكون عادة مقياسًا لفعاليته ومدى نجاحه. مع هذا، لا يمكن أن نغفل أنّ القضية العنوان التي من أجلها يُعلن الإضراب وتُعلى الصرخات وتُسجَّل المواقف، هي قضية الأرض والمطالبة بوقف عمليات نهبها ومصادرتها وتهويدها. لذا يحمل هذا الإضراب وما سبقه بعدًا مطلبيًا واضحًا يمكن العودة إليه وقياس مدى نجاحه أو الإخفاق فيه.

في جميع المقاييس يمكننا أن نعتبر أنّ إضراب عام ١٩٧٦ كان إضرابًا تاريخيًا ومحطة مفصليّة، شكّلت نقلة نوعية في نضال الجماهير العربية في إسرائيل وأداة هامة في صقل هويّتها الوطنية الجمعية وعلاقتها بالأرض/الوطن. بكونه كذلك، يتوجب قياس ما حصل ويحصل الآن إلى ما شكّله ذلك الإضراب من قمة كان المتوقع والواجب على قياداتنا الرقيّ بها إلى درجات أعلى ممّا حققه ذلك اليوم والزمن. فهل نجحت قياداتنا بذلك؟ هل استثمرت هذه القيادات ما وفّره ذلك اليوم من رصيد ووعي ووزن؟ هل مورست آليّات عمل نضالية من شأنها أن تحمي الأرض وتوقف عمليات السّلب والمصادرة والتهويد؟ الجواب يقبع بما كنّا نملكه، نحن العرب، في هذه الدولة وفي ما تبيّنه خرائط مدننا وقرانا اليوم!

في كل عام، وفي هذه المناسبة، نسمع وبشكل مملٍّ ومستهجن، النقاش ذاتَه. فئة تصرّ برُوبوتية معهودة على الإضراب الشامل وأخرى تستبعده- وحججها دامغة. كما في كل المسائل يتحفنا أولي الأمر بقرار يمليه التوافق وخشية من مزايدة، فيصبح هذا موحِّدًا وموفّقًا، لا بل جاءنا النبأ هذه المرة معلناً “أنّ الشعب يريد الإضراب”! هل حقاً كذلك؟! أحيلكم أيّها القرّاء إلى ما نشره موقع “بكرا” حينما خرج مراسله البارحة إلى شوارع الناصرة ليسأل عيّنات عشوائية من المارّة الشباب، عمّا يعرفونه عن يوم الأرض. اقرأوا الأجوبة فهي تختزل كل التساؤلات والإعياء. فهل حقًا الشعب يريد الإضراب؟!

سأنضم إلى رهط “المضحكات” كما في حكمة المثل العربي القديم. سأوافق من حسم وأقرّ بنجاح الإضراب بآلاف من شاركوا عرابة وأقلّ منهم شاركوا العراقيب. سأنتظر تقييم الرّعاة والدّعاة لأقرأ عن عوامل ومبرّرات هذا النجاح ولأهنئَ نفسي وأسعد أنني كنت واحدًا ممّن في هذا الرهط ولم يخب أملي.

لحينه، سأكرّر ما كتبته قبل إضراب العام المنصرم عندما اقترحت أن تقاس إنجازات يوم الإضراب بميادين ثلاثة رئيسة: “أولها، على مستوى لجنة المتابعة ومركباتها. بمعنى إن نجحت لجنة المتابعة باستثمار هذا القرار ليكون خطوة أولى على طريق وضع برنامج نضالي يلامس قضايا الجماهير المعاشة ومتفق عليه من حيث تسمية الإشكاليات وآليات المواجهة والعمل”.

مرّ عام ويلح السؤال: هل حصل ذلك؟

“ثانيها: على مستوى الجماهير العربية، فإن نجحت الخطوة في تحجيم ما يعتري مجتمعنا من حالة تشرذم أدّت إلى فردنة الانتماء وتؤدي مجدّدًا إلى بناء ثقة الجماهير العريضة بمؤسّساتها وأهمّها لجنة المتابعة وتؤدي كذلك لتعزيز حسّها الوطنيّ إزاء ما يتربٌص بها من مخاطر وإلى توثيق مشاعر الانتماء الوطني السليم، فبهذا قدر من نجاح. هذا إضافة إلى نقل رسالة واضحة إلى هذه الجماهير، بأنّ مشاكلها ومهما استعصت، فإنّ هناك من يرعى ويعمل على مواجهتها بشكل علمي وماديّ ومدروس. فالاعتماد على الغيب والغيبيات، كما هو الحال في مجتمعنا، لا يكفي ولن يكون وحده شافيًا”.

هكذا كتبت قبل عام. فهل توقّف النزيف؟ هل انحسر التشرذم والتطيّف والتحزب؟ هل غابت المزايدات؟ “ثالثًا: على الساحة الإسرائيلية، فإن نجحت الخطوة بتمرير الرسالة بشكل هادف وواضح بدءً بأروقة المؤسسة الحاكمة ونهاية، والأهم، إلى مجتمع الأكثرية اليهودية، سيكون هذا مؤشر نجاح آخر”. هكذا كتبت قبل عام. فهل من تقدم وإنجاز؟ أسأل سؤال الساذج. ففي عرابة لم يُدعَ خطيب مشارك يهودي، على الرغم من مطالبة الجبهة والعربية للتغيير بإشراك خطيب كهذا. “الأكثرية” حسمت ومنعت ذلك، لأنهم باسم الشعب يتحدّثون ولأنهم يعرفون أنّ الشعب يريد الإضراب ولا يريد أن يخطب فيه يهودي!

إلى حين أن يأتي تقييم القادة، سأمارس ما مارسته “المبكيات” في مثلنا الفصيح، وأكرّر ما كتبته أيضًا قبل عام: “أعداد المشاركين عنصر هام لإنجاح هذه الخطوة ولكنه سيبقى موضوعًا نسبيًا ولا يصح اعتماده مؤشّرًا وحيدًا ولذلك سيبقى المعيار منوطاً بما سيتحقق في الميادين المذكورة أعلاه، وفيما إذا سيخترق هذا اليوم حاجز الصمت ويصدّ شبح الهزيمة والانهزام ويعيد للجماهير أملها وثقتها بنفسها وبمخزون طاقتها، فالغد، غدنا جميعًا، مرهون بهذا المخزون”.

أعتذر أيٌها القارئ لأنني نسخت من ما كتبته قبل عام ولكن ما العمل ونحن في أحسن الأحوال نتمنى أن نبقى في حالة مثلنا “تيتي تيتي متل ما رحت متل ما جيتي”.

سيكون الفشل يتيمًا، كما دائمًا، أمّا النجاح وإن كثرت آباؤه فتستحقه جماهير يوم الأرض. الأرض زوجة السّماء، هكذا، منذ البدايات، آمن البشر ورست عقائدهم. “طوبى للذي تغمرينه بكرمك” هلّل النشيد وكبّرت ثقافات وعقائد.

“فازحف نحو الأرض، أمك، علّها تحميك من العدم”.

(كفرياسيف)

 


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>