الفلسطينيون في إسرائيل ـ من الوصاية إلى الفعل المبادر!/ مرزوق الحلبي

|مرزوق الحلبي| اعتُبرت وثائق التصور المستقبلي وبحقّ من […]

الفلسطينيون في إسرائيل ـ من الوصاية إلى الفعل المبادر!/ مرزوق الحلبي

|مرزوق الحلبي|


اعتُبرت وثائق التصور المستقبلي وبحقّ من المعالم البارزة في حراك الأقلية العربية في إسرائيل خروجا من الظل المزدوج للنُخب الفلسطينية في الجبل والشتات وتلك الإسرائيلية. فقد عبّرت بتفاوت بين نص ونص عن التطلّع المستقل لهذه المجموعة الفلسطينية المعرّفة بشرطها السياسي وكما تعرّف نفسها ضمن شرطها التاريخي. فلم تأت وثائق التصورات مطلبية أو على نسق برامج الأحزاب والحركات بل نصوصا ـ تشكل مجتمعة نصا واحدا ـ تتجاوز “الانتخابي”  و”المطلبي”. فقد نزعت إلى ترتيب العلاقة بين الأقلية الفلسطينية وبين الأكثرية اليهودية المهاجرة في إطار سياسي جديد داخل دولة مسلّم بها، يقوم على المساواة التكافؤ بين المجموعتين القوميتين بعيدا عن النظام الأكثروي الذي منح حتى الآن امتيازات واضحة للمجموعة اليهودية، مرة على حساب الذين تم تهجيرهم ومرة أخرى، على حساب الباقين في وطنهم.

من هنا فإن وثائق التصوّر من إرهاصاتها إلى سيرورة وضعها إلى رسالتها ومضامينها هي ثمرة جهد جمعي غير مسبوق إلى المشاركة في تغيير الواقع بالمبادرة والفعل لا بالاذدناب أو بالبحث عن وصيّ أو الالتحاق بمركز قوة مناوب أو بردّ الفعل. وفي هذا خروج عن الثقافة السياسية التي تأصّلت بين ظهراني هذه الأقلية التي دارت في فلك مركزين للقوة، ذلك الإسرائيلي وذاك العربي وأحيانا الفلسطيني تحديدا. كأن الوثائق في طرحها أنتجت مركزا مستقلا للقوة يحاول أن يتخلّص من ضغط المركزين الإسرائيلي والعربي بإنتاج تصوره للصراع وحلّه خارج النص المكتوب مسبقا القائم على فكرة الفصل بين الشعبين ـ قرار التقسيم مصدرها ـ في دولتين منفصلتين. لأوّل مرة تأتي الوثائق بما هو مختلف من خطاب لا يخلو من جرأة في ثلاث مستويات، الأول ـ الانطلاق من حق الأقلية الفلسطينية في إسرائيل طرح “روايتها” الخاصة للصراع والتعامل بأخلاقية مع تاريخ الآخر اليهودي والاعتراف الواضح بحقه في تقرير مصيره للشعب هنا، والثاني، الخروج عن النص المتقادم القائل بوجوب الفصل بين الشعبين (انسجم مع الرواية الصهيونية وعنصريتها تجاه الفلسطينيين في وطنهم) على نحو ما واقتراح صيغة بديلة تقوم على التشارك في السيادة والسلطة. والثالث، طرح الداخل الفلسطيني (أو الساحل الفلسطيني) مركزا مستقلا له إسهامه على قدم المساواة مع التجمعات الفلسطينية الأخرى في قراءة الصراع وإنتاج حل له.

صحيح أن أفكار مثل الدولة الواحدة كانت قائمة لكنها كانت تعني دولة عربية فيها يهود. وصحيح أن فكرة دولة كل مواطنيها كانت مطروحة لكنها لم ترقَ إلى ما سجّلته وثائق التصورات من شمولية وعمق وتفصيل. بمعنى، أن نصوص الوثائق، بوصفها عملا جمعيا، شب على طوق الأحزاب العربية والخطاب الذي تتداوله، وعلى طوق الخطاب الليبرالي الإسرائيلي في أوسع هوامشه. وليس صدفة أن تشيح الأحزاب عندنا بوجهها عن هذه الوثائق مستنكفة عن التقاطها ولو لغرض الدراسة والاطلاع، وإن كانت ادعت في الوقت ذاته، أن كل ما في الوثائق إنما مصدره في برامجها، وأننا لم نكن بحاجة إلى هذا الجهد الذي سماه البعض “هرجا أكاديميا” أو “عمل نخبوي منقطع عن الجماهير”! هذا فيما أبدت السلطة الإسرائيلية السياسية والثقافية اهتماما منقطع النظير بالوثائق ومعانيها فشنت هجوما عليها في موجتين وعبر كل منبر ثم انكفأت على دراستها وتفكيكها بوصفها فعلا تاريخيا في مساحة العلاقة بين مجتمع الأكثرية اليهودية وبين أقلية الوطن الأصلانية. وقد لا نكون مخطئين إذا ادعينا ان المجتمع اليهودي يعكف في السنوات الأخيرة على تعريف ذاته من جديد قبالة الأقلية الفلسطينية في الدولة اكثر مما هو قبالة الفلسطينيين او العرب بشكل عام.

إن مواصلة دحرجة الوثائق وتطويرها في ضوء ما تراكم حيالها من نقد واجتهادات سيشكّل مساحة للفعل والمبادرة لا سيما بالنسبة للأوساط التي وضعتها. فهي مكلّفة أكثر من غيرها باستئناف الاندفاعة تجاوزا لثقافة الظل المزدوج للنخب الإسرائيلية والفلسطينية وحدودهما المتاحة في اللغة والعمل السياسيين. فما طرحته الوثائق من أفكار مثل تقاسم السلطة والسيادة على الأرض، أو الديمقراطية التوافقية او التشاركية من شأنه أن يفتح حيّزات جديدة للعمل السياسي والفكري والثقافي يتجاوز الجمود الحالي. فالوثائق خرجت من إطار التوصيف وخطاب الضحية وحالة الصرخة إلى خانة البحث عن آفاق للتغيير. كما انها تجاوزت ديناميكا “النظرية والنظرية المضادة” وتخوم الأيديولوجيا المتخشّبة ونسق تقديس الذات وإنزالها منزلة خارج التاريخ ناحية الأسطورة أو الملحمة. وهو ما مكّنها في نهاية المطاف من إنتاج أفكار سياسية عملية مشتقة من واقع الحال ومن استحالة المحال، أي من ترجمة ما هو حاصل إلى مبنى سياسي معقول والابتعاد بذلك عن كل الحلول القديمة التي تعسّرت وتعذرت تماما سوى أنها تعيش في الخطاب السياسي وتحاصره كأثر من مرحلة سبقت.

بُعد آخر يكمن في هذه الوثائق ويشكل قيمتها الإضافية العالية. فإذا كنا أخفقنا كجماعة في التحول من سؤال سياسي إلى سؤال أخلاقي، من سؤال سومي إلى سؤال وجودي، بسبب من ازدواجية المعايير والمراوحة بين مركزي قوة والسقوط في ازدواجية المعايير والعزوف عن تطوير البُعد الأخلاقي للصراع، فإن الوثائق تشكل قاعدة نظرية أخلاقية تساعدنا في التأثير والتغيير. فمن غير الممكن إقناع الأكثرية اليهودية بتغيير الواقع من موقف يريد إعادة التاريخ إلى الوراء بتطهير فلسطين التاريخية من اليهود كما طهرها المشروع الصهيوني من غالبية أهلها! ومن المستحيل إقناع مجتمع الأكثرية بجدوى تحقيق المساواة في حدها الأدنى، المدني، من موقف يعتقد بمشروع الخلافة الإسلامية واعتبار اليهود الآن صليبيي الأمس. بل لا جدوى من عمل سياسي مزدوج المعايير يريد مساواة أو مواطنة تامين من موقف يؤيّد أوتوماتيكيا كل عمل عسكري ضد إسرائيل والاستظلال بمراكز قوة خارجية كسورية أو ليبيا أو حزب الله أو إيران ولبسها “على الزلط”. بمعنى، أن الوثائق في حضورها ولغتها تخلصنا من هذا الانسداد السياسي والأخلاقي. فهي تفتح كل الملفات العالقة بيننا وبين مجتمع الأكثرية دون أن تُغفل البُعد الأخلاقي في الحلول التي تطرحها لا سيما التشارك والتكافؤ والاعتراف المتبادل ومن افتراض ضرورة المصالحة بين الشعبين، دون أن تقع في شرك المعايير المزدوجة. مثل هذه المرتكزات تشكل أساسا لمشروع وطني متجدد وعملي إذا حمله أصحابه على محمل الجدّ، وهو ما لم يحدث حتى الآن. فكل المشاريع السياسية، هنا، كانت انتخابية في أساسها وارتهنت تماما لحل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني فيما تقترح وثائق التصور صيغتها للحل خارج السقف إياه. فنظريا، على الأقلّ، في وثائق التصور ما يفضّ التناقض الوجودي بيننا كأقلية وطن وبين المجتمع اليهودي المهاجر باقتراح صيغة سياسية عملية لنوع جديد من العلاقة بيننا. تطوّر كهذا إذا نشأ واتخذ مساره ينطوي على إنتاج حيوية سياسية جديدة بين الفلسطينيين في إسرائيل تنهي حالة الجمود والتخشّب في موديلات العمل والمبان والأنماط والأهم، من أفكار وخيارات.

بل يُمكننا توسيع ما تقترحه الوثائق من حلّ يقوم على تقاسم السلطة والسيادة لا الأرض، على التشارك والعيش المشترك لا الانفصال والعزل المكاني، واعتماده في الحالة الفلسطينية العامة، أي في المساحة بين البحر والنهر. وبهذا يكون للفلسطينيين في الداخل إسهامهم الجدي في هذه المرحلة في اختراق الانسداد الراهن بتحدي الخطابين، الإسرائيلي النازع إلى أصوليته، والفلسطيني المراوح مكانه المشغول بما تقادم وتعذّر وتجاوزهما نحو ما هو عملي وإن بدت النُخب اليهودية الآن في ذروة جموحها القومجي. وكما نقل عن هيجل، كل ما هو عقلاني هو ممكن في نهاية الأمر!

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

1 تعقيب

  1. المشكلة الاكبر هي مع الفكر الصهيوني الذي يريد كل الاراضي الفلسطينية. لذلك لا بد لنا من ايجاد الحلول لمواجهة هذا الفكر وتغييره بطرق ذكية. المشكلة تكمن بان الكثير من “المفكرين” عندنا يعتقدون ان لا امل في تغيير الافكار الصهيونيةـ هو تفكير يقول بنفس الوقت اننا ضعفاء.
    ففي نهاية الامر، ماذا امكننا ان نجيب الفكر الضعيف الذي ينادي بالحل السحري – “دولتين لشعبين” ؟
    ضعفنا الاستراتيجي هو واقع عسير، قد يغيره فقط جيل الشباب، شباب ثورات ال2011.

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>