ذواتنا أبعد من هوياتنا!/ مرزوق الحلبي

|مرزوق الحلبي| لا يكاد يمرّ يوم من دون أن يُصادف أحدنا […]

ذواتنا أبعد من هوياتنا!/ مرزوق الحلبي

|مرزوق الحلبي|


لا يكاد يمرّ يوم من دون أن يُصادف أحدنا ذاك التوتّر الذي يصل حد التناقض بين هويتنا وبين مواطنتنا، بين الدولة ككيان سياسي وبيننا كذوات سياسية، بين السيادة المتأتية من قيام دولة إسرائيل في فلسطين وبيننا كفلسطينيين أصلانيين. وهو توتّر/تناقض تسير دالته تأرجحا على وقع الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني المفتوح وفي ضوء سياسيات الاضطهاد القومي المستمرة بتواتر.

لقد تعاملنا مع هذا التوتّر كمجموعة قومية بأشكال مختلفة رفعت سقف مطالبها مع مرور الوقت وصولا إلى الوثائق. ولم تكن هذه الطريق الممتدة على أكثر من ستة عقود مفروشة بالورد وإنما مضمخة بالدم. أما المحصّلة فكانت الإخفاق في تفكيك هذا التوتّر أو خفض لهيبه. وهي محصّلة مخيبةّ إذا ما اعتبرنا التوتّر/التناقض وجوديا وليس جاريا، يتصل بصميم حياتنا هنا وليس في شكلها فقط. لقد اجتهدنا كجماعة في حلّ هذا التناقض لجهة الدخول إلى الساحة الإسرائيلية بريشنا وعراميشنا، أي بهويتنا وتاريخنا وروايتنا ومطالبنا. ولعلّ أصدق ما عبّر عن هذه الرغبة وثائق التصور المستقبلي التي تجاوزت في خطابها ورؤاها طروحات الأحزاب والحركات منفردة ومجتمعة. هذا، فيما اجتهدت السلطة على طريقتها في “هضمنا”. وقد اتسمت محاولاتها التي نهلت من منبع فلسفي واحد، باعتماد أسلوب السيطرة والإخضاع عبر استراتيجيات متعددة أشهرها الاحتواء أو القمع. وهي لا تزال عاجزة عن حسم الأمر لجهة ما يقوله ليفي ستراوس، إما أن تبتلعنا أو أن تلفظنا، على غرار ما فعلته وتفعله دولة القومية الإقليمية مع أقلياتها.

إن السياسة الإسرائيلية القائمة على الهويات كخصوصية وكجزء من تجربة الدولة القومية، فرضت علينا سياسات هوية مقابلة. وعليه، أفهم تشييد خطابنا السياسي على أساس الهوية القومية التي يريدها البعض قومية والبعض الآخر إسلامية فيما يشدد آخرون على أنها طبقية فيما هي كل هذا وذاك. وأفهم، أيضا، انبناء أنماط التفكير والعمل على أساس هويتي مضاد في لعبة “sum zero game”. وهي أنماط طبعت الثقافة السياسية عندنا بميسمها في العقود الأخيرة فبات تصورنا لوجودنا وعالمنا في هذا السياق منطلقا من الهوية ومعاييرها. ولأنها هوية مستهدفة في فرضيتنا، فإن التصوّر يصير انعكاسا لمدى الاستهداف. ومن هنا، هذا الميل نحو رفض كل ما هو يهودي حتى ولو كان مدنيا أو اجتماعية. والأخطر هو نفي فرضية أنه بالإمكان أن يتطوّر في الدولة أو المجتمع اليهودي ما هو مدني أو اجتماعي وحجب الثقة عن كل شراكة يهودية ـ عربية واعتبارها مناورة من اليهودي لتطهير ضميره أو تنازلا ومساومة من العربي الفاقد لعموده الفقري أو المطأطئ رأسه أسيرا لـ”عقدة الخواجة”.

صحيح أن معظم الشراكات اليهودية ـ العربية قامت ولا تزال على أساس رؤية المصلحة المشتركة في عيون الطرفين أو في عيون طرف واحد. وهذه الشراكات تحديدا علقت تماما في وحل تشرين الأول 2000، وتداعى الكثير منها. وهو ما عزّز التشكيك بالشراكة كإمكانية عملية في مستويات الحياة كافة بما فيها السياسي، وأطلق بحرية “تنظيرات” عربية رافضة حدّ العنصرية المضادة. بل أن إعادة بناء السلطة لجدار الخوف في تشرين إياه ـ الجدار الذي هدمناه كجماعة في آذار 1976 ـ أنتج شعورا بالعجز والإحباط لدى الجماعة. عجز عُبر عنه برفضية عمياء وصولا إلى نفي الآخر والهذيان بقلب معادلة الصراع تيمنا وتمثّل دور السيد المحتار فيما سيصنعه باليهود.

لقد جاءت الوثائق من صلب هذه التجربة التي عمقها القمع في العام 2000. وقد سعت إلى إعادة صياغة العلاقة مع الدولة (الآخر) ليس كمشرع سياسي حزبي انتخابي بل كمشروع وجودي لجماعة تتعرض للاضطهاد وتعاني من ارتفاع حدة التوتّر الوجودي بينها وبين شرطها السياسي. وباعتقادي المتواضع أنها أفلحت على الأقلّ نظريا، وخلافا لرغبة كل الأحزاب والحركات المعبّر عنها علنا أو ممارسة، في طرح رؤى فكرية تسهم في فك عقدة التوتّر وتطفئ لهب التناقض إلى حدّ معقول يحفظ حقوق الجماعة وكرامتها ـ والكرامة الجمعية ـ dignity ـ مصيرية في مثل هذه الحالة. فالوثائق على اختلاف وتطابق واضعيها اقترحت تقاسما للسلطة والقوة وأوصت بسلسلة من التغييرات الجذرية في طبيعة الدولة ودستورها. إلا أننا انكفأنا عن هذه المبادرة النوعية التي طرحت أفقا جديدا لوجودنا ووجود الآخر اليهودي على أساس من الإنصاف التاريخي المتبادل. وفي هذا تحديدا قوة الوثائق بحيث حررتنا نظريا من قبضة الهوية ومنزلقاتها ومن غيبيات مشروع الخلافة والحتمية التاريخية بصيغتها السوفييتية وعمى قومي وصل حدّ الاعتقاد بأن الهوية توصل إلى الجنة أو أنها تحلّ المعاصي مثل تساقط الشعر والشيخوخة المبكرة. وأسست ـ أو هكذا أفترض ـ لمرحلة جديدة وثقافة جديدة يبدو لي أننا في جموعنا الضاجة على الأقلّ ـ وهناك جموع صامتة ـ لم ندخلها بدلالة انتشار مظاهر نعبّر فيها عن كوننا صورة معكوسة من الآخر وظلا لوجوده وصدى لأصواته. فإذ المزايدة وطنيا أو عربيا أو دينيا جزء حي من السلوك اليومي والخطاب اليومي. تشدّد نحو منزلقات هويتية ومشاريع غيبية ماضوية في مواجهة عنصرية يهودية وسلطة متجبّرة.

لعلّ أبرز ما تطور من هذه الوضعية هي حالة الازدواجية في السلوك اليومي لدى الأفراد والجماعة، أو ذاك الفارق المتسع بين الخطاب وبين الممارسة المختلفين في الاتجاه. أو ما يُسمى بالغش الذهني. وهو اتساع يعكس في رأيي العجز عن الفعل المحجوب بتلك القدرة على الكلام الكبير. وهو كلام يشكّك في الذات وفي الآخر أو يعظّم الذات ويؤلّهها ويحقّر الآخر وينفيه، كلام يحوّل العجز إلى قدرة ربانية متخيّلة تعيد التوازن ولو للحظات للذات المقهورة. وهي ذات متضخمة كالفقاعة متشاوفة مستعلية تحاكم وتُدين وتتخذ الإجراءات وتخوّن، وترمي الحجارة ذات اليمين وذات اليسار متجاهلة أنها فقاعة.

أعتبر التنازل الحاصل عن الوثائق نكوصا طوعيا عما يُمكن للجماعة هنا أن تنتجه وتصنعه وتجترحه. أقول هذا وفي إدراكي ذاك الإدراك الذي صاغه باولو فيريري بألمعية والقائل بأن على المقهور أن يسعى إلى تحرير نفسه من القمع وقاهره من رغبته في القهر حتى تكتمل إنسانيته. ولأن الوثائق استندت إلى صميم التجربة الإنسانية وما تراكم من نصوص إنسانية ومواثيق وتجارب فقد حملت في طياتها طاقة هائلة للتحرّر والتحرير ليس بمفهوم حرب العصابات أو الطبقات وإنما بمفاهيم ما بعد القومية. وكان يُمكن للخطاب الذي أنشأته لو حصل أن يطلق حواسنا على مداها وذواتنا أبعد بكثير من هوياتنا!

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>