الحركة الأسيرة والمسؤولية التاريخية/ تغريد جهشان

|تغريد جهشان| لقد واكبت الحركة الأسيرة من خلال عملي الم […]

الحركة الأسيرة والمسؤولية التاريخية/ تغريد جهشان

|تغريد جهشان|

لقد واكبت الحركة الأسيرة من خلال عملي المتواصل مع الأسيرات السياسيات منذ ما يزيد عن عشرين عامًا مع جمعية نساء من أجل الأسيرات السياسيات، إلا أنّ ما يرد في هذا المقال هو رأي شخصي لا يرتبط بالجمعية.

من الواضح إذاً أنني واكبت الكثير من الخطوات النضالية وخاصة الإضرابات عن الطعام التي جرت منذ بداية سنوات التسعين وذلك بمتابعة الاوضاع عن كثب؛ فعند الاعلان عن بداية اتخاذ هذه الخطوات يتم تكثيف العمل داخل السجون بطبيعة الحال ونبقى في حالة استنفار. وهذا ما حصل هذه الفتره أيضًا؛ فعند قراءة ما يحصل من خطوات نضالية قمت بزيارة للأسيرات في سجني الدامون والشارون والوضع لا يختلف في السجنين، حيث لم يجرِ أيّ تنسيق او حتى إعلام رسمي بالخطوات التي على الأسيرات اتخاذها، فكمّ بالحريّ أنه لم يتم التشاور معهنّ وسماع رأيهن بالموضوع. هذا تهميش كلي للأسيرات لا بل اكثر من ذلك.

عندما بدأت أربع أسيرات (دعاء الجيوسي طلينان ابو غلمه وورود قاسم وصمود كراجه) اضرابا مفتوحا عن الطعام يوم 11\10\9 قيل لهن انه لم يكن مطلوبا منهن الانضمام إلى الإضراب عن الطعام خوفا عليهن، وطبعا أبدت الاسيرات استياءً شديدا لهذا التوجه. وهذا يعيدني إلى التاريخ النضالي ودور الاسيرات حيث كانت الاضرابات تضمّ الأسرى جميعًا من دون استثناء لدرجة ان التنسيق كان يتم في حالات كثيرة بمساعدة من إدارة السجون. فكان يسمح لممثلي الاسرى بإجراء اللقاءات معا والاتصال الهاتفي فيما بينهم طبعا ليس بشكل مطلق وإنما في الحالات التي كانت تخدم مصلحة السجون. فعلى سبيل المثال عندما كانت تُعلم الأسيرات بأنّ الاسرى فكوا اضرابهم كان يسمح لهن بالاتصال مع ممثل او أكثر من السجون الأخرى للتأكد من ذلك، أو أن يُسمح لممثل من سجن آخر بالاتصال بهنّ. وهكذا كان يبدأ الاضراب وينتهي في كل السجون معا.

طبعا  انا أتحدث عن أزمنة لم تكن بها وسائل إعلام متاحة كاليوم او محامين بهذه الوفرة. أودّ التنويه بأنه لا يوجد اي قصد مما ورد لاتهام الحركة الأسيرة بالتعاون مع إدارة السجون لا بل العكس تماما؛ فالهدف هو إعطاء صورة لفرض التعاون مع الاسرى على مصلحة السجون نتيجة لوحدتهم ومواقفهم الموحدة التي لم تستطع ادارة السجون اختراقها او الالتفاف عليها واضطرت للتعاون معها والاستجابه لكثير من طلباتهم العادلة.

ونعود للوضع السائد اليوم، من حيث عدم الوحدة والتنسيق والتشرذم، ليس فقط على مستوى الاسيرات لا بل بشكل عام. فهذه بعض المقتطفات من الأخبار التي نشرت في الفترة الأخيرة من خلال متابعة موقع وكالة الأخبار “معًا”:

أكد الاسرى لمركز الاسرى للدراسات أنّ الأسرى في السجون دخلوا يومهم الثالث على التوالي في اضرابهم المفتوح عن الطعام الذي بدأ به أسرى الجبهة الشعبية والديمقراطية يوم 11\9\27…”. وبعد ذلك نقرأ الخبر التالي: “… هذا وقد خاضت الفصائل الاخرى بسجون ريمون وعسقلان ونفحه إضرابا محدودا لثلاثة أيام تضامنا مع إضراب إخوتهم ورفاقهم أسرى الشعبية..” (يعني يوم 9\27,28,29). وكذلك نقرأ الخبر التالي: “أوضح الأسرى في سجن عوفر عن برنامج احتجاجي بدءا من يوم الأربعاء وبالتنسيق مع كافة السجون انه سيتم ارجاع ثلاث وجبات…” (يعني يوم 9\28,29,30).

اما الاسرى في سجن هداريم وكما ورد في الخبر المتعلق بهم: “… وعلى اثر ذلك قرر الأسرى ان يكون هناك يوم اضراب وحددوه بتاريخ  10\16 او 10\30 …”

قراءة بسيطة لهذه الاخبار تعطي صورة صعبة للحركة الأسيرة للاسباب التالية:

1. أن الاضراب هو اضراب فصائلي لافراد الجبهة الشعبية ومن ثم شخصي وهذا الامر ليس سرا ويطرح السؤال: هل كان توجه للفصائل الاخرى للمشاركة الكاملة ولماذا كان رفض المشاركة التامة ليبقي الوضع على ان كل من شاء الاضراب ان ينضم بشكل شخصي؛

2. ثم ما معنى ان يشارك الاسرى بالاضراب تضامنا مع اسرى الشعبية؟ هل الظروف القاهرة التي تسود السجون تسري على اسرى الشعبية فقط؟ فالعزل لا ينحصر على فصيل واحد واكبر دليل على ذلك عزل الاسير ابراهيم حامد وحسن سلامه وابو الهيجاء وغيرهم… ثم هل الظروف اللاانسانية وسلب حقوق الأسرى من الاهمال الطبي ومنع الكثير من الاهل زيارة الاسرى ومنع حضن الاطفال في الزيارات ومنع ادخال الاهل للكتب وغير ذلك.. تنحصر في أسرى الشعبية؟

3. لو فرضنا جدلا ان هناك اجماعًا على الاقل على الاضراب ليوم واحد أو ثلاثة ايام، فلماذا لا يكون اتفاق على تحديد هذه الايام؟ من المثير حقا للتساؤل طبيعة الأيام التي “حددها” اسرى هداريم … اذ يلاحظ حتى عدم تحديد هذا اليوم الواحد… ثم لماذا هذا التأخير؟

4. وللقيمين على هذا الاضراب: لماذا بالتحديد هذه الايام المعروف انها ايام عيد رأس السنة للشعب اليهودي وأعياد أخرى قادمة، وأنه لن يتسنى للمحامين لقاء الاسرى، ومن المعروف ان زيارات المحامين هي الوسيلة الوحيدة لإيصال ما يحصل للاسرى في مثل هذه الايام العصيبة، والتي نشر  عن جزء من ذلك… وأقصد عزل الأسرى من الشعبية وغيرهم. إلا أنّ التجارب السابقة تدلّ على أن العزل ليس العقاب الوحيد وعلى المحامين متابعة الاوضاع عن كثب؛

5. بقي فقط ان نشير إلى الناحية العملية للاضراب؛ فمن المعلوم أنّ أسرى الشعبية هم قلة وحصر الاضراب بهم يسهل على ادارة السجون تطبيق العقوبات المختلفة عليهم التي ما كان من الممكن ان تتاح لو ان الاسرى جميعا شاركوا بالاضراب؛

6. ومن الناحيه الحياتية -وقد ألقيت هذا السؤال على عدد من الاسيرات في سجن الدامون ويمكن ايضا طرحه على كل الاسرى في السجون المختلفة- كيف سيكون الوضع اذ ان ما يقارب ثلت الاسيرات هن من الشعبية؟ هل سيتناولون الطعام امام الاسيرات المضربات عن الطعام؟ هل سيتابعن نظام يومهن وكأن لا شيء حاصل؟ ولكن اخشى ما اخشاه ان تعزل هؤلاء الاسيرات إلى سجون اخرى ومرة اخرى يلعب عددهن دورا هاما اذ لو كان العدد اكبر فلن تكون امكانية  للعزل لأنّ السجون الإسرائيلية غير مهيئة لعزل انفرادي لأعداد كبيرة من النساء.

وكلمة أخيره للجمعيات الفاعلة داخل السجون: يا حبذا لو تُقام لجنة تنسيق عامة لمصلحة العمل لأجل الأسرى في مثل هذه الظروف والتخلي عن المنافسة والتسابق للنشر في وسائل الاعلام والحفاظ على اعلام منسق بين الجميع بشكل يومي بناءً على زيارات المحامين من الجمعيات المختلفة. إذ انه لا يمكن لجمعية واحده زيارة كل السجون في كل يوم وزيارة الاسرى المعزولين في السجون المختلفة ولذا التنسيق يساعد على زيارة كل السجون وكل الأسرى ويمنع زيارات عدة لسجن واحد أو لأسير واحد بسبب عدم التنسيق.

وللزملاء المحامين أقول وبعد تجربتي كمحامية في آخر اضراب عام شامل جرى سنة 2004: لا تترددوا بالتوجه إلى المحكمة حال رفض طلب بالزيارة مهما كان المبرّر لذلك لأنّ المحكمة قضت بأنّ إدارة السجون لا يمكنها منع لقاء الاسير بمحاميه بسبب الاضراب. فالسجن قد يجد اسبابا قد تبدو صادقة… كأن يكون المسؤول مشغولا وأن تنتظروا للغد وهكذا. التجربة دلت على أنّ كل سجن يفعل كل ما بوسعه وبتخطيط منسق بين كل السجون، كما اتضح من الالتماس الجماعي الذي قدّمه عدد من المحامين، لإعاقة الزيارات وهكذا يخسر الأسير خاصة الذي يخوض إضرابا عن الطعام وفي العزل لقاءً مهمًا مع محاميه.

(يافا؛ الكاتبة محامية تعمل في مجال الأسرى)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>