مجاز كروي/ جواد بولس

|جواد بولس| أوشكت مباراة منتخب إسرائيل مع منتخب إيرلندة […]

مجاز كروي/ جواد بولس

|جواد بولس|

جواد بولس

أوشكت مباراة منتخب إسرائيل مع منتخب إيرلندة على الانتهاء. في سيارة إحدى الدوريات، شرطيان يتابعان مجريات اللعبة على صوت الراديو والخيبة. جووووول، صرخ المعلق. عباس صوان، اللاعب السخنيني العربي ولاعب المنتخب الإسرائيلي، يحرز هدفًا ثمينًا لصالح منتخبه وينقذ الدولة من فشل مبكر محقق في نهائيات مونديال ٢٠٠٦.

من جهازه اللاسلكي يسارع الشرطي بزفّ البشرى إلى زميله المرابط في دورية أخرى. يسأل المبشَّر عن صاحب الهدف، وبلهفة تلقائية وعفوية يجيبه المبشِّر، وبدون أن يحترس من وجود شريكه العربي الجالس في المقعد بجانبه، “إنّه المخرب!”

لم يسمع عباس دويّ هذه اللهفة السّاقطة. مباشرة، تهافتت عليه عدسات الفرح وميكروفوناته، وبإيمانه طار على أجنحة الحلم وتمنى أن يعزز هدفُه التعايش السلمي في إسرائيل. وكلاعب عربي في منتخب الدولة يأمل أن يحقق ما يعجز السياسيون عنه.

أفرح هدف صوان قلوب إسرائيليين كثر. فرحة وقفت على أنف حذائه الرياضي ولم تصمد أكثر من “ركلة برق” تلاشت مباشرة بعد أن هدأت شباك المرمى الايرلندي وتخلصت من رعشتها. عاد عباس ابنًا لصوان سخنين وحصى شوارعها، وعاد هدفًا وفزّاعة، كجميع أبناء قومه، كما صاغته حمأة الخيال الممسوس ووطأة الواقع الإسرائيلي المعطوب العليل.

“لا عرب لا أهداف”- فاخر النائب الطيبي بعد هذه المباراة. تصريحه، الذي تحوّل إلى مانشيت بارز في الإعلام الإسرائيلي، زاحم مانشيتًا ساد وتصدّر عناوين ذلك الإعلام وأفاد: “لا عرب لا إرهاب”.

“ما هي كرة القدم هذه؟ ما هذا السحر الجماعي الذي لم يحل لغزه الشائع أحد؟” هكذا تساءل الشاعر الدرويش في إحدى نثرياته الجميلة التي كتبها مفتونًا ببطل وساحر ذلك الزمن “مارادونا”. حينها كتب: “مع من سنسهر بعدما اعتدنا أن نعلق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ لمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود وأجّج فينا عطش الحاجة إلى بطل نصفّق له، ندعو له بالنصر. نعلق له تميمة ونخاف عليه وعلى أملنا في الانكسار؟”

من “ماردونا” الذي ثأر “بيد إلهية” لبلاده الأرجنتين من بريطانيا عام 1986، إلى “عباس” المخرب رغم أنف الجدارة، إلى “فتوحات” إتحاد أبناء سخنين وهزائمه، ما زلنا نلهث وراء “البطل” ووراء “القدم المعجزة”، تركل أكوام قمامة القهر وتفتح كوّة لأمل، كلما بزغ ديسَ بأقدام “فيلٍ” دائمِ الغلمة والهيجان.

“هي مجاز الحياة” قرّر الوجودي سارتر ولم يكُن يعرف ما لهذا الإقرار من صحة ووقع، عندما تحيلُ أمة خيباتها كرةً في “مباراة الحرب والوعيد” ويصير فوز أبطال سخنين “فوزًا لكلّ الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل” ويرفرف العلم الفلسطيني في “الدوحة”، قاهرًا رموز الدناسة والعنصرية البيتارية في “مدرجات الدوري الصهيوني”.

سخنين تنازل “بيتار أورشليم”، في لعبة عندنا هي “مجاز” حق لتقرير المصير، وتظفر بنصر يتيح لرمل شواطئ عكا وحيفا ويافا أن يستعيد بهجة الشمس وذهبها المحمّل على سفن القراصنة وقوافل السّحاب المهاجر. “بيتار أورشليم” لم يهزم في سخنين، فلولا إرهاب “أصحاب الأرض” وما فرضوه من أجواء همجية، لكان مصير المعركة بهيًّا مشابهًا لنصر مستوطنات “مسغاف” و”تيفن” شواهد “النصر” النزيه وغلبة “الحق” على “الأقدام المعجزة”.

هكذا هي اللعبة عندنا، يصح فيها رأي من عارض سارتر وأقرّ: “الحياة هي مجاز لكرة القدم”؛ فحتى أفراحنا الصغيرة يستكثرونها علينا، ولن يسعف سخنين وقوافل العطاش لندى السراب إن قاد نصرها من كان اسمه “شلومي دورا” فلأن “المجاز” لن يفضي به إلا طائرًا ضلّ طريقه وخان السرب.

“مجاز” البيتاريين، كدمهم، أصفر عليل “ومجازنا” بلون صباح البلاد، تدفق من ثنايا كوفية ذلك الشيخ العربي يندفع وبيديه يحيط بشلومي دورا ويعانقه محتفلا بفرح الحياة العارية الهاربة إلى الملاعب. فرح الواقع الآخر. فرح الجدارة. فرح الأمل والأحلام.

دغدغني “نصرنا” في سخنين. فرحت وبعض من راحة داخلية سكنتني. لم أركب السّحاب ولا شققت الثياب. أنّه فرح أقرب لشماتة بمن أدمن تمني الموت لي ولأبناء قومي. لكنّه أقل من فرح شلومي دورا وصحبه. فرح عادي، أقصر من فرح الليل بزهور اللوز. فرح بلا كراهية، مع أنّ من إعجاز اللعبة تسويغ وإجازة الكراهية وإن كانت مقنَّعة ومبطَّنة.

أعترف بهذا، وبأنني لا أتابع اللعبة بشكل حثيث ومثابر، لا سيما الدوري الإسرائيلي. أعترف وأخاطر بأن يتهمني الباحثون في فقه الهوية والانتماء بأنني أعاني خللا ما، أو أنني، ربما، مصاب بعدمية قومية أو حتى “متأسرل” فكيف أجرؤ على إبعاد القلب عن “الدوحة”؟ وكيف لي أن أنام من دون أن أشارك حارسًا لمرمى الأمل والنصر؟

أستعيد هدوئي عندما أتيقن من أنّ نصر سخنين “أمميًا” كان. فعلاوة على “القائد” المدرب، في الفريق عدد من اللاعبين الأجانب واليهود. وجودهم يعيق حتى المجاز من إسقاطي في امتحان الهوية والانتماء. هنا كانت الهوية كروية الشكل عديمة الزوايا والقوائم، ومع ذلك، عجبي، ما لهذه اللعبة أن تفعل؟ ففي تلك الليلة رددت، شامتًا بالمهزومين: “سخنين يا حبيبتي/ أعدت لي هويتي/ أعدت لي كرامتي”.

إنّه ترف المجاز وفيض قلب أعيته الهزائم. فرح بنصر في حرب أسماها درويش “أشرف الحروب”؛ فهنيئًا لكلّ المنتصرين!


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>