أن تكون فلسطينيًا/ نائل بلعاوي

أن تكون فلسطينيًا فعليك أن تُحبّ. أن تحاول مرة أخرى. أن تطارد فكرة العيش العظيمة دائمًا. أن تبقى الضحيّة في المدى والوقت، وتطرد النسيان، تحبسه، وتدخل للغواية من بابها الآخر، فالحب والنسيان لا يلتقيان، وعليك أن تكون جديرًاَ بهذا الحبّ، بهذه الذاكرة

أن تكون فلسطينيًا/ نائل بلعاوي

"I will wait for you for ever"- حازم حرب، من مشروع: "forced separation". المصدر: http://hazemharb.weebly.com/index.html


|نائل بلعاوي|

نائل بلعاوي

بعد قليل، في المسافة الفاصلة بين مطلع النص والخاتمة، ستجيء فتاة إلى حاجزٍ بين شارعين وتنتظر. قد تنتظر دهراَ، وقد تملّ الانتظار وتنصرف. سيمرُّ الجنود على الأزقة، كلّ الأزقة، ويرصدون اللهاث.. الكلام .. الهواء. ستأتي مُجندة لا تعرف الفرق بعد، بين مفردة الحب والحرب، إلى عاشقين على الطريق إلى المدرسة وتصادر الطريق. سيحكي العجوز المهاجر من قرية لم تعد قائمة حكايته من جديد. وتلقن الجدة المجرّبة، للمرة الالف، حفيدتها المشاكسة فنون الزغاريد والتطريز. سيدخل الصبي للمرة الأولى سجن المدينة الكبير، ويخرج آخر. سيكتب الشعراء المزيد من القصائد. ويكتشف المغني صوته. والكاتب فكرته. والصبية صدرها. وربما، يعود السياسي من جولة في الفراغ المكلل بالمدائح والأمنيات، ويعلن توبته عن زراعة الوهم وانتظار اللاشيء.

في المسافة عينها، ستزفّ فتاة إلى عريسها في القرية المجاورة. وتعلن أخرى، بصرخة الولادة الهادرة، عن طفلها الاول. سيتأتئ طفل في سيدني بحروف المكان البعيد، ليعرف لحظتها أنّ حرفيْ السّين والطاء حين يجتمعان لا يدلان الا على شيءِ واحد. وأن الهوية فكرة مدوية تعشعش في خبايا الروح. سيعرف ذلك الطفل المولود في سيدني لأم قمحية اللون وأب يميل بلونه للسّمار الخفيف، أنّ التشكل الكونيّ للأشياء ناقص، وأنّ لمحة الحزن المريرة في عيني الأب، ولوعة الآهات في أغاني الأم، لا يتفقان وهذه الجغرافيا الجديدة. فهناك ما هو ناقص. ما هو منشود وباعث على الوجع.

أن تكون فلسطينيًا، يعني أن تسير ودمع الفتاة العائدة من الحاجز ينساب على خديك ويحرقك. أن تكون اللهاث، الكلام، والهواء الذي يصادره الجنود بلا رحمة أو وجل

بين المطلع والخاتمة ستآتي الأوامر للجنود بقتل الصبايا والشباب على الطرقات.. ليس طرقات المدن المُحتلة وحدها، بل كل الطرقات الأخرى في الجوار العربي؛ فالحال واحدة وإن تنوّعت الأسماء والأوهام. هنا القتل من أجل السيادة والبقاء المرهون بإلغاء الآخر. وهناك القتل من أجل السيادة والبقاء المرهونين بإلغاء البلاد والعباد. هنا القاتل من أصل روسيّ وبولنديّ وألمانيّ، وهناك القاتل سوريّ المولد واللسان. يمنيّ اللكنة والوجه. ليبيّ الطلة والفكرة. سعوديّ المنبت، بحرانيّ. و.و…. إلى آخر القائمة السوداء.

سيعرف الفلسطيني الآن، ويعرف العربي أيضًا، أنّ لا فرق بين القتل والقتل. بين القاتل هذا وذاك. أنّ لا فرق يُذكر بين طقوس الجنازات هنا أو هناك: سيحمل الفلسطيني شهيده ليدله على الطريق العظيمة للخلود ببعض الآيات والدعوات وزغاريد النسوة الباكيات. كذلك يفعل السوري والليبي واليمني. حتى أسماء الشهداء لها ذات الإيقاع: أحمد، هنا، ومحمد هناك. هناء هنا وهيفاء هناك. لا فرق. لا فرق إلا في التفاصيل الأولية للحكاية، في خروج الاساطير من كهوفها، واختراع المزيد من الألم: قبضة التوراة وعسفها هنا. وخلافة الله على الارض هناك. وجه العملة الاول يماثل الثاني ويكمله، والضحية واحدة في الحالتين، وربما النهايات الأكيدة القادمة أيضًاَ.

أن تكون فلسطينيًا، يعني أن تُمثل وتتمثل كلّ المشاهد المذكورة أعلاه. أن تكونها دفعة واحدة. أن تسير ودمع الفتاة العائدة من الحاجز ينساب على خديك ويحرقك. أن تكون اللهاث، الكلام، والهواء الذي يصادره الجنود بلا رحمة أو وجل. وتكون القصيدة والصبية والسجين والشهيد والطريق إلى المدرسة، وتنسى -دائمًا تنسى- فوائد النسيان؛ غوايات النسيان؛ فالنسيان نقيضك الأبديّ. نقيض الطفل في سيدني. نقيض الولادة والعرس المجاور، نقيض الدرب الطويلة للناصريّ الجميل. فعليك أن تحيا وتنسى فتنة النسيان. وأن تعيش بذاكرة واحدة.

هنا القاتل من أصل روسيّ وبولنديّ وألمانيّ، وهناك القاتل سوريّ المولد واللسان. يمنيّ اللكنة والوجه. ليبيّ الطلة والفكرة. سعوديّ المنبت، بحرانيّ.

أن تكون فلسطينيًا يعني: أن تكون الضحية. ليس أكثر أو أقل من رمز الضحية وارتفاع كعبها. إن أصبتَ أو أخطأتَ فأنت الضحية. كيف يمكن للضحية حين تُحشر، لعقودٍ سبعة مريرة، أن تصيب فقط، أو لا تصيب فقط؟ وأنت الضحية؛ مررتَ بكلّ الفصول والطرقات، أخفقت هنا وأبدعت هناك. صرتَ كناية للمستحيل، أول الضوء في زقاق الليل. وصرت كناية لليأس، واحتمالات التورّط في البعد والنسيان… لا بأس، فالحياة كفيلة بدروبها. بطقوسها. بغياب خطوطها المستقيمة والثابتة، وأنتَ وليدها، ضحيتها العالية، وما الرهان الآن سوى عليك: حين يسقط الشهداء في مدن الجوار.. تكون أنتَ. حين تغني الصبية في أقصى الجنوب التونسيّ… تكون أنتَ. حين يعلو الهتاف ويرتعد الطغاة… تكون أنتَ. فأنتَ الضحية في الحالتين.

بعد قليل، بين تشكّل الكلمات الأخيرة وانفتاح الخاتمة، ستجيء فتاة أخرى إلى الحاجز، قد تمرّ وقد لا تمرّ. سيبحث العاشقون عن طريق جديدة. سيكتب الشعراء والكتاب. ويوقع عالم الفيزياء في جورجيا وصيته الأخيرة: أريد قبرًا في الجليل.

بعد قليل، سأعد أنا -للمرة الثالثة- قهوة هذا الصباح، وأرقب عبر النافذة كيف تسير الحياة، ها هنا، من تحتها، حيث يلهو الصغار مع كلابهم الوديعة ويطردون الوقت بالمُتع الجميلة، باسمين، لا خوف يرصدهم ولا هواجس ممكنة؛ فلن تأتي مُجندة هنا لتعتقل الكلاب والأطفال والوقت البريء. ولن يعلو الرصاص على العواء والضحك اللذيذ. سيتعب الأطفال ويذهبون. سيحلمون بنوبة أخرى غدًاَ، وسيرجعون.

بعد قليل، أن تكون فلسطينيًا -الآن أو بعد قليل- فعليك أن تُحبّ. أن تحاول مرة أخرى. أن تطارد فكرة العيش العظيمة دائمًا. أن تبقى الضحيّة في المدى والوقت، وتطرد النسيان، تحبسه، وتدخل للغواية من بابها الآخر، فالحب والنسيان لا يلتقيان، وعليك أن تكون جديرًاَ بهذا الحبّ، بهذه الذاكرة.

(فيينا)


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

2 تعقيبات

  1. هنا القتل من أجل السيادة والبقاء المرهون بإلغاء الآخر. وهناك القتل من أجل السيادة والبقاء المرهونين بإلغاء البلاد والعباد.

  2. رائع و أكثر :)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>