الاعتذار الفيّاض/ هشام نفّاع

الفلسطيني هو من اغتال السلام؟ أين؟ متى؟ كيف؟ أصلا، متى التقى الفلسطيني بالسّلام لآخر مرة؟ متى رآه؟ على الحواجز؟ أمام مهداف الدبابة؟ تحت طائلة الطائرات المقاتلة؟ في ظلّ الجدار؟ في كامب ديفيد؟ في شرم الشيخ؟

الاعتذار الفيّاض/ هشام نفّاع

fayad

رئيس الحكومة الفلسطينية في رام الله، فيّاض

|هشام نفاع|

hisham-qadita

كنا على حاجز الجلمة باتجاه جنين. قال لنا الحارس الإسرائيلي، يومها، وهو ممسك ببندقيته بأعصاب مشدودة، إنّ الحاجز مغلق ويجب علينا الانتظار والابتعاد عن مدخله.

في المكان، تحت سقائف من الصّفيح، كان عشرات العمال ينتظرون، فانضممنا إليهم. الدقائق تمرّ ببطء لكنّ الحاجز ظلّ مغلقًا. بعد قليل اتضّح السبب: قافلة من السّيارات الفخمة تدخل دونما اضطرار لانتظار ولا لتفتيش.
“هذا هو السّلام الفيّاض”، علّق أحد زملاء الانتظار، عامل كادح مسلّح بالسّخرية. وكان يقصد موكب السيارات الذي اتضح أنه لرئيس الحكومة الفلسطينية الذي جاء لزيارة بلدة الزبابدة المجاورة لجنين. أما لماذا جاء الموكب من رام الله عبر “أراضي السّلطة الإسرائيلية”، وليس تلك الفلسطينية، فهو ما ظلّ غير مفهوم!

• • •

قبل أيام انطلقت إلى الفضاء الافتراضي حملة إعلامية وقفت خلفها “مبادرة جنيف”، وخلفها أموال أمريكية موّلت الحملة. لقد امتلأ المرء بكميات تجارية من الإحراج ومثلها من النفور

قبل أسبوعين أرادت قوى اليسار الفلسطيني تنظيم مؤتمر سياسي احتجاجيّ ضد الدخول في مفاوضات مباشرة تفتقر للمرجعية. وصل الناشطون والناشطات إلى قاعة المؤتمر في رام الله، فوجدوا هناك من سبقهم: زمرة من الشاتمين والمخوّنين نعتوهم بجميع مفردات التخوين (منها: إيرانيون!). لم يكن هؤلاء “زعران” بل عناصر “أمن” فلسطينيين “متنكرين” بلباس مدنيّ.

بعدها بأيام، حين سأله صحفيّ عن الحدث، قال رئيس الحكومة الفلسطينية في رام الله، سلام فيّاض:

“إنّ ما حدث يشكل قصوراً واضحاً وخللاً كبيراً. وكرئيس للحكومة، فإنني أتحمل المسؤولية كاملة إزاءه وأعتذر عنه”.
لا بأس. لكن لم يسمع أحد عن تحقيق ولا مساءلة ولا فحص من شأنه جعل ما حدث “لا يتكرّر”، كما وعد فيّاض.

• • •

قبل أيام انطلقت إلى الفضاء الافتراضي حملة إعلامية وقفت خلفها “مبادرة جنيف”، وخلفها أموال أمريكية موّلت الحملة. كيف نقولها.. لقد امتلأ المرء بكميات تجارية من الإحراج ومثلها من النفور وما يفوق هذه وتلك من الاستياء. لماذا؟ لأنّ “المغزى من الحملة” كان اعتذار زعماء فلسطينيين من المواطنين الاسرائيليين على تخييب أملهم في صنع السلام.

بحياة الله؟!

الفلسطيني هو من اغتال السلام؟

أين؟

متى؟

كيف؟

أصلا، متى التقى الفلسطيني بالسّلام لآخر مرة؟

متى رآه؟

على الحواجز؟

أمام مهداف الدبابة؟

تحت طائلة الطائرات المقاتلة؟

في ظلّ الجدار؟

في كامب ديفيد؟

في شرم الشيخ؟

ومرة أخرى، خرج سلام فيّاض معتذرًا ومنسحبًا من الحملة.

بناءً على معلومات تلقيتها من مصادر قريبة منه، فقد أوضح فيّاض لمسؤولي مبادرة جنيف أنه “لم يتم الحصول على موافقة رئيس الحكومة باستعمال صورته في الحملة، وأنّ رئيس الحكومة غير معنيّ بأن تظهر صورته بأية مادة لها علاقة بالحملة”.

لننتبه: لم يكن ردّ فياض فوريًا على حملة “المبادرة”، بل جاء بعد أيام. حين اتضح مدى ضرر الحملة، كما يبدو. ففيّاض يهتم بصورته كثيرًا. يهمّه أن تكون لامعة نظيفة على الدوام. حتى إنه نادرًا ما يخرج بمواقف سياسية قاطعة. تعجبه شخصية السياسي المدير ولا يحبّ “تلطيخها” بالسياسة. يتحدث عن المفاوضات (غير المباشرة والمباشرة) وكأنه محلل، وليس رئيسًا للحكومة الفلسطينية (في رام الله فقط. فهناك شقيقتها، دولة غزة؛ هناك انقسام “وطني” فلسطيني مبدئي تحت الاحتلال!).

• • •

في مشهد النظام العربي القاتم، يصبح الاعتذار فضيلة. ولكن من غير المعقول أن تتوالى الاعتذارات اهتمامًا بالصورة الشخصية فقط. يُقال هذا لأنّ الاعتذار الحقيقي يجب أن يترافق بتحمّل للمسؤولية وبإجراء مساءلة، محاسبة، تغيير. أصلا، كيف تجرؤ جهة كهذه على استخدام رئيس حكومة في حملة إعلامية من دون موافقته؟! أإلى هذا الحدّ هو مفهوم ضمنًا؟!

هذه المتوالية الاعتذارية تخلق وضعيّة يصحّ أن تُسمى: الاعتذار الفيّاض، على نسق السلام الفيّاض أعلاه.. ولكن الأجدر هو تفادي الاعتذارات من خلال منع المخالفات بحق الشركاء في الوطن حين يرفعون صوتهم بالنقد السياسي، ومعاقبة كل من يجرؤ على الاقتراب من حقهم في التعبير والمعارضة.

كذلك، إنّ من يشاركون في حملة الاعتذار تلك هم زملاء فياض في السلطة الفلسطينية، ومن غير اللائق أن ينسحب وحده، بشكل شخصيّ، من حملة يعتقد ويقرّ بأنها مُضرّة سياسيًا. في النهاية هو رئيس حكومة، فليوقِف هذه السّخافة التي تجعل الفلسطيني مسؤولاً عن جرائم الاحتلال بحقه. ليكسر هذه الدوّامة العبثيّة. فليتفضّل لوقفها، وبكل بحزم.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>