لا رفيقَ سوى العشقِ/ جلال الدّين الروميّ

“إنْ كُنتَ عاشقًا. نرقدُ من حولِكَ،/ مصعوقينَ كأننا الموتى.” • تعريف بالشيخ الصوفي جلال الدين الرومي ونماذج من رباعياته الشهيرة • الشيخ الصوفي الذي أحب الموسيقى و”السّمع” وبحث عن الجيد في جميع الديانات

لا رفيقَ سوى العشقِ/ جلال الدّين الروميّ

رسم لجلال الدين الروميّ. حب وحب...

رسم لجلال الدين الروميّ. حب وحب...

..

تعريف ومقدمة

جلال الدين الروميّ: هو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي (1207 – 1273) المعروف بمولانا جلال الدين الرومي. أديب وفقيه ومنظِّر وقانونيّ صُوفي. عُرف بالرومي لأنه قضى معظم حياته لدى سلاجقة الروم في تركيا الحالية.

وما كاد يبلغ الثالثة من عمره حتى انتقل مع أبيه إلى بغداد سنة [607هـ = 1210م] على إثر خلاف بين أبيه والوالي “محمد قطب الدين خوارزم شاه”. وفي بغداد نزل أبوه في المدرسة المستنصرية، ولكنه لم يستقر بها طويلاً؛ إذ قام برحلة واسعة زار خلالها دمشق ومكة و”ملسطية” و”أرزبخان” و”لارند”، ثم استقر آخر الأمر في قونية في عام [632هـ = 1226م] حيث وجد الحماية والرعاية في كنف الأمير السلجوقي “علاء الدين قبقباذ”، واختير للتدريس في أربع مدارس بـ”قونية” حتى توفي سنة [628هـ = 1231م]، فخلفه ابنه “جلال الدين” في التدريس بتلك المدارس.

وحين وفاته في عام 1273م، دفن في قونية وأصبح مدفنه مزارًا إلى يومنا. وبعد مماته، قام أتباعه وابنه سلطان ولد بتأسيس الطريقة المولوية الصوفية والتي اشتهرت بدراويشها ورقصتهم الروحية الدائرية (المولوية) التي عرفت بالسمع والرقصة المميزة. كُتبت كل أعماله باللغة الفارسية الجديدة والتي تطوّرت بعهد النهضة الفارسية في مناطق سيستان وخرسان وبلاد ما وراء النهر. تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة ومنها التركية واللغات الغربية. وكان تأثيره كبيرًا على ثقافة الفرس وثقافات الأوردو والبنغالية والتركية.

عند قدوم المغول، هاجرت عائلته هربا إلى نيسابور، حيث التقى الرومي هناك الشاعر الفارسي الكبير فريد الدين العطار، الذي أهداه ديوانه “أسرار نامه” الذي أثر على الشاب وكان الدافع لغوصه في عالم الشعر والروحانيات والصوفية. ومن نيسابور سافر مع عائلته، وهناك لقب بجلال الدين. ثم تابعوا الترحال إلى سوريا ومنها إلى مكة المكرمة رغبة في الحج. وبعدها، واصلوا المسير إلى الأناضول واستقروا في كارامان لمدة سبع سنوات حيث توفيت والدته. وتزوج الرومي بجوهر خاتون وأنجب منها ولديه: سلطان ولد وعلاء الدين شلبي. وعند وفاة زوجته تزوج مرة أخرى وأنجب ابنه أمير العلم شلبي وابنته ملكة خاتون.

حزن الرومي على موت التبريزي وحبه العميق له فاض بأشعار وموسيقى ورقصات تحولت إلى ديوان سماه ديوان شمس الدين التبريزى أو الديوان الكبير. وحتى مماته، كان الرومي يقدم المواعظ والمحاضرات إلى مريديه ومعارفه وللمجتمع. ووضع معظم أفكاره في كتب بطلب من مريديه. وتوفي في 17 ديسمبر ميلادية وحمل نعشه أشخاص من ملل خمسة إلى مثواه الأخير بجانب قبر والده. وسموا أتبعاعه هذه الليلة بالعرس وما زالو يحتفلون بهذه الليلة إلى الآن.

كان جلال الدين مسلما مؤمناً بتعاليم الإسلام السمحة لكنه استطاع جذب اشخاص من ديانات وملل أخرى وذلك بسبب تفكيره المرن المتسامح. فطريقته تشجّع التساهل اللامتناهي مع كل المعتقدات والأفكار. كما كان يدعو إلى التعليل الإيجابي، الخير والإحسان وادراك الأمور عن طريق المحبة. وبالنسبة إليه وإلى أتباعه، فإنّ كلّ الديانات خيّرة وحقيقية بمفاهيمها. لذلك كانوا يعاملون المسلمين والمسيحيين واليهود معاملة سواسية. وككل الصوفيين، آمن الرومي بالتوحيد مع حبه، أي الله. هذا الحبّ الذي يبتعد عن الإنسان، والإنسان في مهمة ايجاده والعودة اليه. وبطلب من مريديه، وضع الرومي أفكاره ومبادئه في كتاب سماه “المثنوي” الذي استعمل فيه حياكته خيوط من قصص يومية وإرشادات قرآنية وحكمة من خبرته لينسج كتابا ثمينا ممتلئًا بمعانٍ عميقة منتقاة بحذر وعناية.

آمن الرومي بالموسيقى والشعر والرقص كسبيل أكيد للوصول إلى الله. فالموسيقى الروحية بالنسبة له تساعد المُريدَ على التركيز على الله بقوة لدرجة أنّ المريد يفنى ثم يعود إلى الواقع بشكل مختلف. ومن هذه المنطلق، تطوّرت فكرة الرّقص الدائري الذي وصلت إلى درجة الطقوس. وقد شجع الرومي على الإصغاء للموسيقى فيما سماه “سمع” فيما يقوم الشخص بالدوران حول نفسه. فعند المولويين، التنصت للموسيقى هي رحلة روحية تأخذ الإنسان في رحلة تصاعدية من خلال النفس والمحبة للوصول إلى الكمال. والرحلة تبدأ بالدوران التي تكبر المحبة في الإنسان فتخفت أنانيته ليجد الحق الطريق للوصول إلى الكمال. وحين يعود المريد إلى الواقع، يعود بنضوج أكبر وممتلئ بالمحبة ليكون خادما للغيره من البشر دون تمييز أو مصلحة ذاتية.

بعد وفاته، حول ابنه سلطان ولد تعاليم الرومي إلى سلوك للمريد والذي عُرف بالطريقة المولوية. وانتشرت هذه الطريقة في مختلف أصقاع العالم وخاصة في العالم الغربي في يومنا هذا.

تُصنف أعمال الرومي إلى عدة تصانيف وهي: الرباعيات، ديوان الغزل، مجلدات المثنوي الستة، المحاضر أو الخطب، الرسائل والموعظ الستة الشبه مفقودة. ومن أهم مؤلفاته: “الديوان الكبير” أو “ديوان شمس التبريزي”، الذي كتبه في ذكرى موت صاحبه العزيز ومُلهمه في طريق التصوف والشعر. وكتب فيه أكثر من أربعين بيت شعر وخمسين قصيدة نثرية؛ “الرّباعيات”، وهي منظومة أحصاها العالم الإيراني المعاصر بديع الزمان فوزانفر، كما وردت في طبعة إسطنبول، فوجد أنها تبلغ 1659 رباعياً، أي 3318 بيتا؛ وفي النثر: كتاب “فيه ما فيه”، وهو كتاب يحتوى على واحد وسبعين محاضرة ألقاها الرومي في صحبه في مناسبات مختلفة. وهو من تجميع مريديه وليس من كتابته هو؛ “المجالس السبعة”، وهو تجميع لمواعظ ومحاضرات ألقاها في سبع مناسبات مختلفة تتناول مواضيع عن القرآن والحديث الشريف. وتتضمن أشعار فريد الدين عطار وسنائي وللرومي نفسه. وقد قدم هذه المحاضرات بطلب من أشراف القوم مثل صلاح الدين زغرب؛ “الرسائل”، وهي رسائل كتبها بالفارسية إلى مريديه ومعارفه ورجال دولة وتأثير. وهي تدلّ على اهتمام الرومي وانشغاله بمعارف ومريديه وما أصبح له من تأثير كبير.

كانت لمؤلفات جلال الدين التأثير الكبير في الأدب الفارسي والتركي والأوردي كما أثر في التصوف. تمت ترجمة العديد من مؤلفات جلال الدين إلى اللغات العالمية المعاصرة ومن ضمنها اللغات الأوربية. كما غنى نجوم موسيقى بوب غربيون مثل مادونا ترجمات أشعار الرومي لتعظيمه قوة الحب، واعتقاده في الفائدة الروحية للموسيقى والرقص.

(ورد النص التعريفي في الأصل في ويكيبيديا الموسوعة الحرة، برخصة المشاع الإبداعي العزو)

..

ننشر هنا نماذج من رباعياته، وقد اخترنا الرباعيات التي تتعالم مع الخمر والحب كمدلول إلى “الرفيق”، أي إلى الله في معتقده.

..

لا رفيقَ سوى العشقِ

|جلال الدّين الروميّ|

|ترجمة: محمد عيد إبراهيم|

..

طوالَ النهارِ والليلِ، لحْنٌ،

نَيِّرٌ، هادِئ ٌ

غناءُ مزمار ٍ.

لو خَبا، نَذوِي.

مناخلٌ هيَ الأيامُ كي تُصفّي الروحَ،

تكشِفُ النَجَسَ، وكذا

تُبين النُورَ لثُلةٍ يرمونَ

بهاءَهُم إلى الكوْنِ.

خرجَ جوادٌ من مكان غيرِ معروفٍ

حمَلَنا حيثُ ذُقنا هُنا العشقَ

وحتى لم نعُد نحيا كذلكَ. هذا الطَعمُ،

خمرٌ، نسقيه على الدَّوامِ.

باكرًا، كي أستعدّ،

حَللتُ أربطةَ السّاقِ.

اليومَ، طِيبُكَ. عِرفانٌ

على الرِّيح ينبتُ.

لا رفيقَ سوى العشقِ.

طريقُ، دونَ بدءٍ أو نهاية.

يدعو الرفيقُ هناكَ:

ما الذي يُمهلُكَ حينَ تكونُ الحياةُ مَحفوفةً بالمخاطرِ!

ها هنا رجُلٌ مَهيب

يَعرضُ كأسًا من الخمرةِ، إنّ

تجلّي القُوّةِ

فوقي، كما آملُ، ليسَ لي!

دعِ العاشقَ خزيانَ، أبلهَ،

ذاهلاً. العاقلُ

سوف يبلى الحوادثَ وهي تمضي لأسوأ

فدَعٍ العاشقَ في كونِهِ.

حسبتُ أني حَكَمتُ نفسي،

فتأسّيتُ على زمانٍ قد مضى.

آخذًا في اعتباري، شيئًا وحيدًا أعلَمُه

لستُ أدري مَن أنا.

قراءةُ الأسفارِ تروقُ لكَ آخرَ العُمرِ.

لا تحزنْ لو رأيتَ الصّغار يستبقونكَ.

ولا تعجلْ. هل أنتَ في رَهَقٍ تتجهّزُ للنزوحٍ؟

خلِّ يديْكَ للألحان.

أمْحُ الليلة َ ما هو باقٍ.

رقدْنا في ليلةٍ سالفةٍ نُصيخُ إلى قصّتكَ الوحيدة َ،

إنْ كُنتَ عاشقًا. نرقدُ من حولِكَ،

مصعوقينَ كأننا الموتى.

لا نَرومُ المُدامَ كي نسكَرَ،

لا الآلاتِ وقصفِ الغناءِ حتى ننتهي مجاذيبَ.

لا مُنشدينَ، لا مُرشدينَ، لا شدوَ،

بل نثبُ حول بعضٍ جامحينَ تمامَ الجّموحِ.

لا حُبَّ أفضلَ من حُبٍّ بدون حبيب ٍ،

ليسَ أصلحَ من عَمَل ٍ صالح ٍ دونَ غايةٍ.

لو يُمكنكَ أن تتخلّى عن السّوءِ والحِذقِ فيهِ،

فتلكَ هي الخدعةُ الماكرةُ!

الرفيقُ يهلُّ على جسدِي

باحثًا عن مركزه، حينَ يعجزُ

أن يجدَهُ، يستلُّ نصلاً

نافذًا في أيِّ موقع.

ما لهذا اللّيلِ دونَ تخومٍ يُمكنُه أن يهبَها.

ليسَ ليلاً بل زفافٌ،

زوجان في مخدعٍ يَخفتان على انسجام ٍ بالكلماتِ ذاتِها.

تدلّي العتمةُ سِترًا واضحًا نحو ذلك.

أراكَ تُبرئني.

لا أراكَ، أُحسّ بالجدران مُنطبقة.

فلا أبتغي للسّوى

غيبةً مثل هذي.

ما الذي يجعلكَ حيًّا بدوني؟

كيفَ يُمكنكَ الشكايةَ؟

كيف أنكَ تدري بذاتكَ؟

كيفَ تُبصرُ؟

يختبي عشقي على الدرب حيثُ يسيرُ لصّ العشق ِ

فيَقبض عليه بأسناني من الشَعر ِ

من أنتَ؟ لصُ العشق يستخبرُ؛ بينا كنتُ

أفتحُ فمي لأبوحَ، تفلـَتَ إلى الباديةِ.

غرستُ وردًا، كلنه من دونكَ استخالَ شوكًا.

رقدتُ بيضًا لطاووس. فحَوَى ثعابينَ.

عزفتُ على قيثارةٍ، فَسَدَتِ الألحانُ.

ارتقيتُ إلى السّماء الثامنةِ. فكانت سُفليَّ جُهنّمُ.

..

(من: “رباعيات مولانا جلال الدين الرومي”، تأويل: محمد عيد إبراهيم- دار الأحمدي للنشر، القاهرة. الطبعة الأولى، مايو 1998. يمكن تنزيل الكتاب بهيئة “بي دي إف” من هنا)


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

7 تعقيبات

  1. رحمك اللة يا مولانا جلال الدين الروماني يا من دعيت الى الحب والتسامح الروحاني وحسن الأخلاق وتطهير النفس من كل ما يعلق بها من شوائب الحياة الدنيا وهذا ما أحوج ما نحتاجة في واقع عالمنا العربي الأن الذي كثرت فية الفرق التكفيرية وحب الأنا والغاء الأخر والفه الخاطئ للأسلم ومعانية السمحة….. وأختم قولي ببيت شعر للمتنبي والذي يصف حال معظم مشايخنا ممن يحصرون الدين في تربية اللحى وحف الشوارب وتقصير الثوب والتحريم والتكفير وهذا في النار وهذا في الجنة و الذين يتجردون من المعرفة والمعاني الروحية الأنسانية ويقوم علمهم على حفظ بعض الأيات القرانية والأحاديث النبوية مجردة من النظر الى ركن الأسلام الثالث وهو الأحسان ففهم للأسلام قائم على النزعة التكفيرية والتقرب للسلاطين والحكام  والغاء الأخر والرأي الأخر فمن ليس معي فهو ضدي….قال المتنبيهل غاية الدين أن تحفوا شواربكـم – يا أمة ضحكت من جهلها الأمـم  وشكرا   

  2. يبدو ان اي المعاني في رباعيات الرومي كاللألئ تستقر في اعماق بعيدة ولايصل لها الا من خبر هذا الصنف من التصوف , اتمنى ان نحصل على تر جمة سلسلة وانيقة تقترب اكثر من المراد الروحي في مفرداته ولها موسيقى لفظية تلامس شغاف القلب .. عموما شكرا لمن اجتهد وسعى لان يعرفنا باشعار هذا العاشق الصوفي

  3. بحاجة نحن لمشاعر أكثر رقة … حالة هذيان عشق أو ألم فراق أو حزن عميق لنستطيع قراءة الرومي ….

  4. جعلها الله في ميزان حسناتك واكرمنا الله برؤيتك في المنام بحضرة النبي العدنان والحمد لله الذي عرفنا عليك بالدنيا وان شاء الله في الاخرة يجمعنا اميييييييييييييييييييييييييييييين

  5. انه لمن المؤسف ان المكتبات العربيّة لا تملك الكثير من مؤلفات الرومي واذا وُجدت تكون الترجمة ركيكة..

  6. ياخفيا في الروح وانت خارجها. ان كل ما اقوله ليس انت وهو انت ايضا.
    مولانا جلال الدين الرومي

  7. ترجمة ضعيفة جداً، وصياغة ركيكة. هذه الترجمة إساءة للصوفي العظيم الرومي وبالطبع ليست في صالح الموقع الذي نشرها. مع تحياتي.

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>