موعد مع الثورة/ منصورة عز الدين

نجح جيل التويتر والفيسبوك في لمّ شمل مئات الآلاف من أجل قضيته. غالبيتهم من الشباب الذين لم يكونوا فعّالين سياسيًا ولا ينتمون إلى دوائر المعارضة السياسية. الإخوان المسلمون لا يقفون خلف هذه الثورة الشعبية كما يدّعي النظام. فأولئك الذين أشعلوها ونظموها يشتعلون غضبًا على غلاظة الشرطة والقمع والتعذيب الذي مارسه نظام حسني مبارك باستمرار

موعد مع الثورة/ منصورة عز الدين



"مصر مش مقطوعة"- تصميم: أمل كعوش


|منصورة عز الدين|

في يوم الجمعة، “يوم الغضب”، كنت في الشوارع مع المتظاهرين. شاركت، أصدقائي وأنا، في مظاهرة سلمية بدأت في مسجد عمر بن العاص في البلدة القديمة في القاهرة بجانب كنيسة سانت جورج. انطلقنا مُردّدين: “الشعب يريد إسقاط النظام!” بينما كنا نُستقبَل بفيض من الغاز المسيل للدموع أطلقه رجال الشرطة. بدأنا بالصراخ: “سلميون، سلميون”، في محاولة شرح للشرطة بأننا لسنا عدوانيين- فنحن لم نكن نطالب بشيء سوى بحريتنا. ولكن هذا لم يزدْهم إلا وحشية. ثم بدأ إطلاق النار ينتشر عبر جوانب الشوارع المحاذية لكنيسة الحي القبطية الكبيرة.

اختبأنا، صديقتي وأنا، في زقاق ضيق، حيث رُحّب بنا بحرارة. وقد حذرنا السكان هناك بعدم محاولة الهروب نحو محطة الميترو، ووجّهونا إلى مسارات هروب أخرى؛ حتى إنّ الكثيرين منهم انضمّوا إلى المتظاهرين. في نهاية المطاف، قام أحدهم بنقلنا في سيارته إلى مكان آمن.

من الواضح أنّ عبق “ثورة الياسمين” في تونس انتقل بسرعة إلى مصر. ففي أعقاب طرد الدكتاتور زين العابدين بن علي، بدأت النداءات تعلو في الفيسبوك من أجل ثورة مصرية، حيث تقرر تاريخ 25 يناير لانطلاقها. إلا أنّ الناس هنا سخروا من هؤلاء الشباب الذين دعوا إلى التظاهر والاحتجاج عبر فيسبوك وتويتر: منذ متى تشتعل شعلة الثورة في يوم مخطط سلفًا؟ هل أضحت الثورات كلقاءات العشاق؟

لقد امتلأت الشبكات الاجتماعية وفاضت بهذه الأسئلة؛ ولكن حتى الكَلبيين –وأنا منهم- طوّروا الآمال حين بدأت هذه النداءات تكبر وتتزايد. وفي رمشة عين، نجح جيل التويتر والفيسبوك في لمّ شمل مئات الآلاف من الشعب من أجل قضيته. غالبيتهم من الشباب الذين لم يكونوا فعّالين سياسيًا ولا ينتمون إلى الدوائر التقليدية من المعارضة السياسية. الإخوان المسلمون لا يقفون خلف هذه الثورة الشعبية كما يدّعي النظام. فأولئك الذين أشعلوها ونظموها يشتعلون غضبًا على غلاظة الشرطة والقمع والتعذيب الذي مارسه نظام حسني مبارك باستمرار.

منذ البداية، قررت الحكومة التعامل مع الناس بأقصى قدر من العنف والغلاظة متأملة عدم تكرار التجربة التونسية. ومنذ عدة أيام بات الغاز المسيل للدموع الأكسجين الذي يتنفسه المصريون. لقد سيطر الغاز على الهواء لدرجة ورود تقارير عن أطفال وبالغين اختنقوا بسحب الدخان في بيوتهم. لقد بدأت قوات الأمن في القاهرة بإطلاق الرصاص المغلف بالمطاط على المتظاهرين، قبل أن تنتقل إلى استخدام الذخيرة الحية التي قتلت العشرات.

وفي السويس، حيث جرت المظاهرات الأعنف، جرى استخدام الرصاص الحيّ ضد المدنيين منذ اليوم الأول. أحد أصدقائي الذي يسكن هناك أرسل لي رسالة تقول: الخميس صباحًا، المدينة بدت وكأنها خرجت من حرب طاحنة: كانت شوارعها محروقة ومدمرة، الجثث تكدست في كل مكان؛ لن نعرف أبدًا عدد الضحايا الدقيق الذي أوقعته الشرطة في السويس، لخص صديقي.

بعد هروبي من القاهرة العتيقة يوم الجمعة، توجهنا أصدقائي وأنا إلى ميدان التحرير، مركز المدينة الحديثة وأكبر مواقع التظاهر. انضممنا إلى متظاهرين آخرين كانوا يسيرون عبر مركز المدينة، وكانت غالبيتهم من الشباب. وعن بعد، كان بمقدورنا أن نسمع دويّ المتظاهرين في ميدان التحرير، مَشوبًا بأصوات الرصاص والصراخ. ومع مرور الوقت بثقله الكبير، كنا نحن المتظاهرين نتقدم، وكان عديدنا يكبر. وقد تشاطر الناس علب الكوكا كولا، إذ كانوا يبللون وجوههم بمشروبها لحماية أنفسهم من الغاز المسيل للدموع. البعض ارتدى الأقنعة فيما بلل البعض كوفياته بالخلّ.

من جهتهم، أمدّنا أصحاب البقالات بقناني المياه المعدنية، فيما قام المدنيون الآخرون بتوزيع الطعام من مرة إلى أخرى. النساء والأطفال وقفوا على الشبابيك والبالكونات، يهتفون مع الهاتفين. لن أنسى ما حييت مشهد المرأة الأرستقراطية التي قادت سيارتها الفخمة عبر جوانب الشوارع الضيقة، تشجّع المتظاهرين على الصّمود، وتخبرهم بأنّ عشرات آلاف المتظاهرين سينضمّون إلينا قريبًا قادمين من أنحاء المدينة المختلفة.

بعد عدة محاولات فاشلة لاقتحام الحواجز الأمنية والوصول إلى ميدان التحرير، جلسنا في مقهًى لنستريح. إلى جانبنا جلس ثلاثة ضباط من قوات الأمن المركزي التابعة للنظام، جميعهم بملابس مدنيّة. وقد اتضح أنهم هادئون كلية، لا يأبهون بالمرة بأصوات الرصاص والصراخ أو بأعداد المصابين والقتلى المصريين الذين يجري التبليغ بها على قناة “الجزيرة”، حيث كان التلفاز في المقهى يبث القناة. هم وزملاؤهم كانوا منتشرين في جميع أنحاء المدينة، يتجسسون على أهل بلدهم.

ساعة بعد ساعة، وفي مساء الجمعة، ازدادت الفوضى؛ فقد اشتعلت النيران في محطات الشرطة وفي مكاتب الحزب الوطني الحاكم، في جميع أنحاء البلاد. انهمرت دموعي بغزارة عندما سمعت أنّ 3,000 متطوّع شكلوا سلسلة بشرية حول المتحف الوطني من أجل حمايته من السلب والنهب. لا شكّ أنّ هؤلاء كانوا بالتأكيد من المتعلمين والمتهذّبين، ولم يكونوا من النهابين والمدمرين، كما اتهمهم أولئك الذين نهبوا ودمروا مصر لأجيال متعاقبة.

عندما تيقنتُ من أنّ منع التجوّل يحول دون عودتي إلى البيت، قضيت الليلة في بيت صديقتي الذي يقع بمحاذاة بناية البرلمان ووزارة الداخلية، وهي أكثر المناطق هياجًا في المدينة. في تلك الليلة لم يتوقف ضرب الرصاص. وقد شاهدنا عبر النافذة كيف يقوم رجال الشرطة بإطلاق الرصاص على المتظاهرين ومحطة وقود قريبة، من دون رادع، آملين، ربما، بوقوع انفجار. رغم كل هذا ورغم منع التجول، لم تتوقف المظاهرات، التي أذكاها الغضب الشعبي على بطء الرئيس مبارك في التوجّه إلى الشعب. فيما بعد، زاد السخط في إثر الخطاب الهزيل السّيء الذي ألقاه، أخيرًا.

(كاتبة مصرية؛ عن الإنجليزية: علاء حليحل؛ نشرت المقالة في “نيويورك تايمز” مترجمة من العربية للإنجليزية، وبسبب انقطاع التواصل بين مصر والعالم الخارجي، أعدنا ترجمة المقالة من الإنجليزية إلى العربية، لغة المقالة الأصلية، والترجمة هنا على مسؤولية الموقع وقد تختلف قليلا عن النصّ العربي الأصلي الذي يتعذر علينا الحصول على نسخة منه.)


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>