“يقال إنّ”/ فراس خوري

. |فراس خوري| يقال إنّ أسرانا مضربون عن الطعام؛ هل سمعت […]

“يقال إنّ”/ فراس خوري

"جائعون للحرية"- اعتصام حيفا

.

|فراس خوري|

يقال إنّ أسرانا مضربون عن الطعام؛ هل سمعتم الخبر؟

هذا التقاعس في تغطية أخبار الأسرى المضربين عن الطعام يمكن أن يدفعك إلى الجنون، فهو ليس تقاعسًا دوليًا فقط، بل عربي أيضًا. أبحث عن أخبارهم في الصحف والمواقع الإخبارية كمن يبحث عن إبرة في كومة طحين. أبحث عن المستجدات في ستاتوسات الفيس بوك عند أصدقائي. اليوم بدأت أفحص في ستاتوسات أبناء عائلاتهم في مجموعات ومنتديات الأسرى في الفيس بوك. يمكنني تلخيص ما تعرفه عائلات الأسرى عنهم بـ “لا شيء تمامًا”، وهم  يستنجدون فيسبوكيًا بمن يستطيع أن يزودهم بأخبارهم.

يقال إنّ أسرانا مضربون عن الطعام هل سمعتم الخبر؟ لا أقصد التشكيك بصحة الخبر، ولكنّي مصرّ على أنّ استعمال المصطلح “يقال إنّ” لأنّ التغطية الإعلامية وقياساً بأهمية الحدث، لا تتعدى الـ “يقال إنّ” حتى الآن.

يقال إنّ “أسرانا مضربون عن الطعام لليوم الخامس عشر”! تخيلي أن ابنك أو أخاك أو أختك أو أباك مضرب عن الطعام لليوم الخامس عشر، وكلّ ما تعرفينه أنه “مضرب عن الطعام لليوم الخامس عشر”.

هناك ما هو أصعب من ذلك: أنك سمعتِ أن ابنكِ أو أخاكِ أو أباكِ مضرب عن الطعام لكنك لا تعرفين مدى صحة الخبر! حينها شعور العجز يبدأ بنهش الحياة فيكِ ببطءٍ مقيت.

يقال إنّ “عدد الأسرى الفلسطينيين اليوم هو 6000 أسير”. لا لا… بل يقال إنّ “هناك 11000 أسير”! لم أعرف يوماً بأن أعطي معلومات دقيقة لمن يستفسر حول هذا الأمر! فهناك مسؤولون عندنا يقولون إنّ عددهم 6000 أسير ومسؤولون آخرون يدّعون أنهم قد تجاوزوا 11000 أسير. وما أكثر المسؤولين الذين يذكرون أرقاماً ما بين 6000 و11000. أنا لا أدري ما هو الرقم الصحيح، لأننا نحن لا ندري ما هو الرقم الصحيح!

ثم كم منهم مضرب عن الطعام بالضبط؟ وفي أي يومٍ كلُ واحدٍ منهم إنضم الى الإضراب؟ أنا لا أدري! نحن لا ندري…

هل سمعتم يا أخوة، يُقال “إنه ولليوم الخامس عشر، أسرانا مضربون عن الطعام”؛ لكن كيف على العالم أن يتحقق من صحة هذا الخبر من دون صورة أو شهادة من أحد.

لا صورة ولا تقرير جديّ، ولا حتى أسماء. كل ما نراه في الشبكة صور قديمة لأسرى فلسطينيين، حتى إنني بتّ أشكّ ببعض الصور إذا كان هؤلاء الأسرى هم فلسطينيون حقًا، يمكنهم أن يكونوا من أي مكان آخر في العالم. وحتى إن كانت تلك الصّور لأسرانا فهي قديمة لا تخبر بأيّ شيء جديد. أيّ صحيفة أو موقع إخباري سيبدي اهتماما بصوّرٍ قديمة للأسرى؟ أي صحيفة أو موقع إخباري ستكتب خبرًا أو تقريراً مفصلاً وموسعاً عن الأسرى وتستعمل صورهم القديمة؟ كيف يمكن لصحيفة أن تنشر خبراً مفصلاً وموسعاً من دون صور ومن دون… خبر؟ أهذا هو سبب التقاعس بالتغطية الإعلامية بالأساس؟ الحقيقة أنه لا معلومات لديهم، لا معلومات لدينا! والأخوة الذين ينشرون أخبار الأسرى على الفيس بوك هم أشبه بمن يلتقط فتات الأخبار التي تسقط سهوا.

سمعت اليوم أنهم صامدون. هكذا “وصلنا”؛ يقال إنّ “هناك سجينًا يدخل بنوبات غيبوبة”؛ “هناك سجينة أخرى مريضة وبحالة صعبة”؛ يقال “إن قوات ألأمن اقتحمت سجنا لسببٍ أو لآخر”. سئمت من الـ “يقال” ومن الـ “وصلنا” ومن التعتيم الإعلامي الذي يمزق أحشاء السجناء وأهلهم.

خلال إضراب الطعام في السجون الأمنية الإنجليزية عام 1981، مات جميع الأسرى الأيرلنديين العشرة المضربين عن الطعام حينها؛ سقطوا زهرة  بعد زهرة. ولم تتنازل آنذاك رئيسة الحكومة البريطانية مارجريت تاتشر عن موقفها الظالم ولم تلبِّ طلبات الأسير البطل بوبي ساندس، قائد الإضراب الذي مات بعد ستة وستين يومًا من الإضراب عن الطعام.

تاتشر حينها سمحت بدخول أطراف عدة لزيارة السجناء لمحاولة ثنيهم عن قرارهم بالإضراب، الأمر الذي جعل أخبارهم وبشكل طبيعي تتسرّب من داخل السجن. حينها أهتمّ العالم بالأسرى الإيرلنديين البواسل، حتى أنّ بعض الجهات حاولت أن تضغط على الحكومة البريطانية بتلبية طلبات الأسرى.

هناك في أيرلندا الشمالية سقط الأسرى واحداً تلو الآخر ومن لم يمُت خلال الإضراب، مات ما تبقى في جسمه من حياة بعد أشهرٍ معدودة. بموتهم تحققت أهدافهم (وإن ترفض تاتشر الإعتراف) التي أهدوها لباقي الأسرى الأمنيين.

أسأل نفسي: ما الفائدة من أن تضرب عن الطعام من دون خبر وصورة؟! هل لنصنع عنهم أفلامًا بعد موتهم؟

يا سجان اِفتح باب السجن بربك، لا ليأكلوا ويشربوا بل لألتقط صورة. أريد صورة واحدة فقط لأظهرها لوسائل الإعلام، ولبان كي مون ولجارتي أم الأسير. صورة واحدة لأسير فلسطيني مضرب عن الطعام لليوم الخامس عشر.. أعدك بأن تكون صورة واحدة فقط لا غير.

صورة واحدة يا سجان علّها تخرجهم من زنازينهم إلى غرف الزيارة ومن غرفهم الضيّقة إلى المكتبة ومن ظلمتهم إلى ساحة السّجن المشمسة، ومن الـ “يُقال إنّ”، إلى مائدة الطعام، إذا كان هذا ما يريدونه… حاليًا (حتى التحرير).

إنّ تجاوب سجّانك مع المطالب من وراء إضرابك عن الطعام يتعلق بعاملين أساسيين:

1- إنسانيته.

2- قوته ونفوذه.

منذ يوم السبت الماضي، 8/10/2011، بدأت مجموعة من الشابات والشبان الفلسطينيين اعتصامًا وإضرابًا مفتوحًا عن الطعام في حيّ الألمانية في حيفا لدعم مطالب الحركة الأسيرة في “معركة الأمعاء الخاوية”. وإذا كان يتعذر على وسائل الإعلام أن تدخل سجون الاحتلال وتنشر أخبار الأسرى ورسالتهم فليس هناك أيّ مبرّر لوسائل الإعلام المحلية بعدم التواجد ومتابعة أخبار هؤلاء الشباب بشكل دائم. لنساعدهم برفع صرخة أخوتهم الأسرى إلى الشارع الإسرائيلي أمام وجه نتنياهو والعالم كله. إنه واجب وطني أن نتواجد هناك في الاعتصام لدعمهم في مهمتهم، وأن نحاول أن نلفت الانتباه إليهم؛ فلفت الانتباه إليهم هو لفته إلى أسرانا في سجونهم وزنازينهم وعذابهم الطويل.

.

الشابات والشبان في اعتصام حيفا

.

المحامية عبير بكر في محاضرة أمام المعتصمين في حيفا، الأحد الماضي، وإلى جانبها سامح جبارين

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

1 تعقيب

  1. شكرا سيد فراس على طرحك واسئلتك النبيلة ، عندما اقارن ماذا فعلت اسرائيل مجتمع وحكومة من اجل جندي ولدي وبين ما فعلناه نحن من اجل اطفالنا ونسائنا وشبابنا شويوخنا وراء زنانزين الاحتلال يجن جنوني لهذا نحن غير قادرين على الانتصار ، ما هي قيمة الشهيد او الاسير او الجريح او المقعد بسبب الانتفاضات لدينا ؟ ربما ليس اكثر من قصيدة او رواية او قصة قصيرة .

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>