الفلسفة (أو الفلاسفة) في خدمة الدبابة/ هشام روحانا

كما في السابق كذالك اليوم يلجأ المستعمِر (أكان مباشرًا أم مقنعاً) إلى نفس أدواته الشبيهة لـ “ب. هـ. ليفي”، مسوّغا لمشاريعه بشعارات التنوير والحرية والعدالة ■ عن مؤتمر “نجدة سوريا” الذي نظمه برنار هنري لفي مع بعض المعارضة السورية

الفلسفة (أو الفلاسفة) في خدمة الدبابة/ هشام روحانا


برنار هنري لفي. المستعمر إياه


” فلا عجب إذن في كونه شَعَر، وهو يراقب العرب يحاولون التحدث بالفرنسية، بهزّة نشوة أحسّ بها روبنسون كروزو حين سمع ببغاءه تنطق للمرة الأولى” 
(أدوارد سعيد عن شتوبريان في”الإستشراق”)

 

|هشام روحانا|

قد يكون من علامات القيامة حقاً، أن يصل بنا الزمن إلى هذا العهد الذي يفرش فيه برنار هنري لفي (المعتبر فيلسوفاً) جناحيْه، لتستظلّ بظليهما شخصيات تدّعي تمثيل المعارضة السّورية في مؤتمر نظمه هو ولفيف من مُريديه وحملة عدّته ومُشغليه، مؤتمر يدعو لـ “نجدة سوريا”. وهي نفس النجدة التي عمل على إخراجها، في بنغازي، تدخلاً عسكرياً يصبّ النار والحديد على أهلها. إلا أنه ما من شك في أنّ رعشة نشوة ما قد أصابته وهو ينظر إلى هؤلاء المعارضين السوريين الذين حضروا مهزلته هذه. على أنّ علينا أن نسأل عن نشوة هؤلاء المعارضين الذين برّروا حضورهم بشتى الادّعاءات والحجج. وبالرغم من المشاركة الضعيفة للسوريين في هذه “النجدة” (يرجع بعض الفضل في هذا إلى يقظة المعارضة الوطنية ومثقفيها)، فإنه من اللافت حضور الأخوان المسلمين السوريين بممثل عنهم.

لقد تم فضح هذه الشخصية الإشكالية، ذات الياقة البيضاء، والتي تتمسّح بمُسوح الفلسفة واليسار، منذ زمن بعيد. فمنذ العام 1979، كتب عنه المؤرّخ بيار فيدال-ناكيه: “سواء أتعلّق الأمر بالتاريخ التوراتي، أم بالتاريخ اليوناني أم بالتاريخ المعاصر، يُبدي السيد برنار-هنري ليفي في جميع المجالات، الحالة نفسها من الجهل المروّع والصّلافه المفاجئة”. وهو المعروف بعلاقاته غير البريئة بطبقة رؤوس الأموال في فرنسا وأوروبا ويعتبر صديقا شخصيا لطوني بلير (شاهد الزور المثبت في اختراع الذرائع لاحتلال العراق) ولسركوزي (ذي غير القليل من  الفضائح). وهو الصهيوني المتحمس متطوّعًا للجيش الإسرائيلي في الحرب العدوانية عام 1967. إلا أن الحظ لم يسعفه فوصل بعد أن كانت أيامها الستة قد انقضت. وهو الذي لم يرَ في حياته جيشا كالجيش الإسرائيلي (أثناء حرب الرصاص المسكوب حيث كان شاهدا داخل دبابة المركباة) “في الكمّ الأخلاقي للأسئلة التي يطرحها على نفسه”.

وهو الذي يتباهى بأنه “لا يكتب في المقاهي، بل في الفنادق. فنادق العالم كلّه. في باريس، له غرفة في فندق “بون رويّال”، الغرفة رقم 812، وذلك لأنّها تطلّ على السطوح ولأنّ شرفتها تشرف على المدينة، أو غرفة في “جورج الخامس”، الرقم 911.” وهو الذي طلق اليسار حين لم يكن يسارياً أبدًا، إذ أنه “لن يكون خلاصٌ لليسار من دون فعل قطيعة تنتزعه ناجزاً من تاريخه، إذاً من اسمه بالذات”. وهو الذي نظر في كتابه “يسار في أزمنة مظلمة: موقف ضد البربرية الجديدة” بأنّ اليسار بعد سقوط الشيوعية قد فقد قيمه واستبدلها بكراهية مَرضيّة تجاه الولايات المتحدة و”إسرائيل” واليهود، وأنّ النزعة الإسلاموية مشكلة متأصّلة، وهي تهدّد الغرب تماماً كما هددتها الفاشية يوماً ما. وهو الذي يؤكد على أنّ التدخل في العالم الثالث بدواعٍ إنسانية ليس “مؤامرة إمبريالية”، بل هو أمر مشروع تماماً. وأخيراً وليس آخرًا: هو الذي ينظر إلى حجاب المرأة المسلمة كـ “دعوة للاغتصاب”.

وفي ضوء ما تقدّم، يحقّ لنا أن نسأل عن نوع النشوة التي أحسّ بها من انتشى في حضرة “نصاب الفلسفة الجديدة” كما أسماه المفكر العالمي سمير أمين. وكما في السابق كذالك اليوم يلجأ المستعمِر (أكان مباشرًا أم مقنعاً) إلى نفس أدواته الشبيهة لـ “ب. هـ. ليفي”، مسوّغا لمشاريعه بشعارات التنوير والحرية والعدالة.

فكلّ مقاربة لمصائر الشعوب العربية، وكما في السابق كذلك اليوم، لا يكون مبتدؤها فضح دور الاستعمار ودوافعه ولا يكون خبرها حرية شعب فلسطين، هي ذرّ الرماد في العيون إن لم يكن أكثر من ذلك بكثير.


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

4 تعقيبات

  1. الى” سردوك”

    و(غابُ خَفَّانَ) زَئَّارٌ بهِ (أسَدٌ)

    غَضْبانَ يَدْفَعُ عن أَشْبالِهِ حَنِقا

    يا (حافِظَ) العَهْدِ، يا طَلاّعَ أَلْوِيَةٍ

    تَناهَبَتْ حَلَباتِ العِزِّ مُسْتَبَقا

    يا رابِطَ الجَأَشِ، يا ثَبْتاً بِمُسْتَعِرٍ

    تَآخَيا في شَبوبٍ مِنه، والتَصَقا

    تَزَلْزَلَتْ تَحْتَهُ أرضٌ فما صُعِقا

    وازَّخْرَفَتْ حولَهُ دُنيا فما انْزَلَقا “

  2. قد يُقال عن هنري ليفي الكثير
    وقد يقول هو أكثر،
    وهو معروف بكثرة الكلام عوضا عن الفلسفة والإبداع الفلسفي، وضبط مرة واحدة على الأقل يقتبس نصا محرفا أو مفتعلا لشدة حماسه لا فلسفته
    لكن المهم ماذا تقول أنت الآن، بعد شهور من التقتيل الأعمى لمواطني سورية؟
    ألم يلحقك من إدراك ما لحق صديقي هشام نفاع
    أظنّك تشتغل هنا بالإزاحة، تفتعل معركة مع ليفي كأنك تقول مواربة، “أنا ما زلت مع نظام الشبيحة” لكنك لا تعلنها صراحة
    أو أنك تقول “صحيح ما تقولونه عن نظام الأسد وبطشه، لكن ما دخل هنري ليفي هذا لينظّر علينا” ـ أوفقك على الشطر الثاني من هذه الجملة طبعا
    المهم أن نقول ماذا نفكّر نحن وبصراحة كعربية مثلا
    التي تصرّ على تثبيت نظام الأسد بقصائد بائدة تماما
    ولكن قيل شهد شاهد من أهله!

  3. رائع يا هشام ومميز …

  4. ما اشبه هذه الايام بتلك عندما احتلت فلسطين مهد المستشرقون للاحتلال ، والان مهد عميل الموساد الطريق للثورات العربية والمعارضة فيها ، وكاننا وعاء لقذارات الغرب ، وكاننا لا نلدغ من الجحر مرة بل عدة مرات اذا لم يكن عشرات المرات وكان الذاكرة عندنا قصيرة المدى – ما اغرب ادمغتنا فهي سريعة العطب ، لماذا لا نخترع بعبقرياتنا تاجير ادمغتنا لاسرائيل خمسين سنة قادمة حفاظا على خبز يومنا المدعم بالفكر الصهيوني .

    نمرود

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>