الهوية الوطنية الفلسطينية والحلول السياسية المطروحة: كيف نتعامل مع التباين؟/ نديم روحانا

العودة لفلسطين لن تكون إلى ما كانت بل إلى ما هي وما ستكون. ولا يمكن البدء بالتفكير بمثل هذا المشروع بدون التعامل مع اليهودي الإسرائيلي وبناء التصور لمكانته والعلاقة بين الفلسطيني واليهودي الإسرائيلي

الهوية الوطنية الفلسطينية والحلول السياسية المطروحة: كيف نتعامل مع التباين؟/ نديم روحانا

رسم على جدار الفصل، سليمان منصور

|نديم روحانا|

نديم روحانا

تقديم

تبرز للمهّتمِ بالمسألةِ الفلسطينية المغايَرَةُ الحادةُ بين حالة التدني والانقسام التي وصلت اليها السياسةُ الفلسطينيةُ وبين الحالة المتعافية بشكلٍ عام للهوية الوطنية الفلسطينية في جميع مواقع الشعب الفلسطيني. وما بين السياسة الفلسطينية المأزومة والهوية الوطنية الفلسطينية المتمترسة تصل القضية الفلسطينية – بمعنى الإمكانيات السياسية المطروحة حول مصير الشعب الفلسطيني ومصير فلسطين – إلى طريقٍ يبدو مسدوداً، إلاّ من سبيلِ خروجٍ واحدٍ هو السبيل الذي تدفع إليه السياسيةُ الفلسطينيةُ الحالية، والذي في أحسن الاحتمالات، حسب المقتنعون به، يقود إلى دولةٍ فلسطينية على جزء كبير من الأراضي المحتلة عام 1967،  وأنّه يمكن التوصّل إلى هذه الدولة عبر عمليةٍ تفاوضيةٍ مع إسرائيل مع الإقرار أنّ معالم الدولة وشروط قيامها لا زالت غير واضحة.

في هذا الفصل سأقترح، وإن بشكل تناقضي، أن احد أسباب نجاح الهوية الوطنية الفلسطينية في الحفاظ على معافاتها – حتى الآن – هو فشل السياسية الفلسطينية الحالية في التوصل إلى الحلّ المطروح وبقاء مصير المسألة الفلسطينية عالقاً بين قطبين: يتمثّلُ القطبُ الأول في أحسن حالاته في تسويةٍ تجزيئية تعتمد حصيلة عملية التفاوض المحكومة لعلاقات القوة، والتي تعطي جزءاً من الشعب الفلسطيني حقوقاً تقترب من دولة على أجزاءٍ واسعةٍ من الضفة الغربية وأجزاءٍ محدودةٍ من القدس تحت هيمنة إسرائيلية تفرغّ من الدولة كثيراً من معالم  السيادة، ويتمّ بموجبها التخلي عملياً عن حق العودة كرواية، وكحق، وكممارسة. ويمثّل القطب الثاني أفكاراً ومواقف تعكس جوهر ما تمثله الهوية الوطنية الفلسطينية. هذا القطب يتجاهل موازين القوى القائمة ولا يزال يقدم رؤية مبعثرة لا ترقى إلى تطوير بدائل سياسية مبلورة إلى درجة كافية لعرضها على الفلسطيني في الوطن أو في أماكن اللجوء. كذلك سأطرح أنّ التباين بين القطبين يمثل حالة غير قابلة للاستدامة في الواقع الفلسطيني الذي يتميّز بكونه في مرحلة “انتظار” دائم. وسأقترح بعض الأفكار الأولية حول الانتقال إلى حالة من التوافق بين الحلول التي يجب أن تطرح وما تمليه الهوية الوطنية الفلسطينية. وفيما يلي سألخّص الأسس الفكرية والسياسية لكل واحد من هذين القطبين.

أ‌. قطب التسوية التجزيئية

يمثلّ هذا القطب دعاة التسوية مع إسرائيل كما تجسده السلطة الفلسطينية. بموجب التوجه الفكري والسياسي الذي تعتمد عليه الحلول المطروحة من قبل هذا القطب فإن التسوية ستكون نتيجة لعملية تفاوضية وهو ما دأبت السلطة الفلسطينية – التي تمثل التعبير السياسي لهذا التوجه الفكري- على انتهاجه منذ اتفاقيات أوسلو. ويفترض هذا التوجه ان إسرائيل ستوافق- كنتيجة للعملية التفاوضية- على قيام دولة فلسطينية في جزء أو أجزاءٍ من الأراضي الفلسطينية المحتلة  عام 1967 مقابل التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين حول قضايا “الحل الدائم” أو “الحل النهائي”.

ويحّتم منطق الإطار التفاوضي الحالي أن يتفاوض الطرفان حول الخلافات في “الرأي” وفي “الرؤية” اتجاه قضايا “الحل الدائم”. وبكلمات اخرى فإن الإطار التفاوضي هو حول مسائل توجد بين الطرفين بخصوصها خلافات مشروعة في وجهات النظر. والإطار التفاوضي ليس حول “إنهاء الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة” – حسب القانون الدولي. وحسب الأسس المنطقية للإطار التفاوضي الحالي فإن على الطرفين تقديم تنازلات في قضايا الحل الدائم. هذا يعني إن للموقف الإسرائيلي والموقف الإسرائيلي الاعتبار التفاوضي نفسه، مع فارق أن هذا الاعتبار مدعوم بقوة إسرائيل، بغض النظر عن موقف القانون الدولي. وبذلك فإن تأطير العملية التفاوضية كعملية سلمية يتم فيها التفاوض حول قضايا الحل الدائم التي يختلف حولها الفلسطينيون والإسرائيليون يتطلب “تنازلات” متبادلة كنتيجة طبيعية وحتمية للأسس المنطقية للعملية التفاوضية، على الأقل وفق توقعات المجتمع الدولي. وعليه فإن السؤال الاساس هو ليس إذا ما كان الفلسطينيون سيتنازلون في المفاوضات حول قضايا “الحل الدائم” المختلف عليها، بل مدى التنازل الذي ستحدده، بطبيعة الحال، علاقات القوة بين الطرفين. ويعلم المراقب للعملية التفاوضية الخطوط العريضة للتنازلات الفلسطينية في قضايا “الحل الدائم” والتي ستتراوح في أحسن الحالات بين اقتراحات الرئيس بيل كلينتون في ديسمبر عام 2000 (وما أصبح يُعرف باسم The Clinton Parameters) وبين وثيقة جنيف من عام 2003، مع احتمالات جديّة في أنها لن تصل حتى إلى مقترحات الرئيس كلينتون.

يعكس الفكر السياسي الذي يؤسس للمواقف التي يعتمد عليها قطب التسوية تأثره بعدة عوامل، أهمّها:

  1. وجود خلل جوهري في الإطار التفاوضي الذي تجري بموجبه المفاوضات مع الإسرائيليين. ويؤدي قطب التسوية هذا حتماً إلى تنازلات قد يقود منطقها إلى مواقف وتعهدات  تقوَض جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية، بالإضافة إلى التنازل عن الحقوق الفلسطينية الوطنية. فالإطار التفاوضي الحالي هو إطار معطوب. ويستدعي الإطار التفاوضي البديل الكثير من العناية في تحديده. فمثلاً إذا كان هدف التفاوض هو التوصل إلى “إنهاء الاحتلال” فذلك يتطلب بالضرورة إطاراً تفاوضياً بديلاً لا يستدعي التطرق مثلاً إلى مسألة “التسوية التاريخية” مع إسرائيل أو التنازل عن حق العودة. وقد كشفت “أوراق فلسطين” التي نشرتها قناة “الجزيرة”  خللا جوهريا في الإطار التفاوضي كما في الأداء التفاوضي الفلسطيني، وأصبح من الواضح أن  الخلل  في الإطار التفاوضي يعود إلى خلل أعمق في المبنى السياسي والتنظيمي للسلطة الفلسطينية وفي الفكر والمواقف السياسية التي توجهها.
  2. فهمٌ لعلاقات القوة القائمة بين إسرائيل وبين الفلسطينيين يفشلُ في تصور مصادر غير مستغلة للقوة الفلسطينية. يفشل القائمين على هذا التوجه في البحث عن مصادر قوة بديلة أو في العمل على بنائها، ويعبّر عن إحباطٍ من الحالة العربية ومن محدودية تأثيرها على ميزان القوة الذي تفرضه إسرائيل وحليفّها الأمريكي، وعن قناعة باستدامة الحالة العربية وعن قصور في بناء استراتيجيات تأخذ بالحسبان إمكانيات التغيير. فمثلاً، يفشل هذا التوجه في تخيّل وإبراز القوة الأخلاقية للجانب الفلسطيني ولا يتحدى بعمق مساعي طرح الصراع على انه صراع بين وجهتي نظر لكلاهما شرعيته الخاصة به. وكذلك يفشل في استقطاب الاستعداد والقوة الكامنة في أجزاء كبيرة في العالم – بما ذلك في العالم الغربي- بتبني القضية الفلسطينية كقضية التحرر الأولى والتعاطف معها على هذا الأساس. هذا عدا عن العمل على الصعيد الفلسطيني لبناء مقومات التمكين الاجتماعية والتنظيمية والتجنيد السياسي لأجيال تريد أن تنخرط في مشروع التحرر الفلسطيني. ويعود هذا الفشل إلى غياب المشروع الوطني ذاته إذ أن المشروع المطروح حالياً هو مشروع “إقامة دولة تجزيئية” يراها معظم الفلسطينيين بأنها تمثل الخضوع للإملاءات الإسرائيلية والتنازل عن حقوق لفلسطينية أساسية.
  3. إرهاق من العنف الإسرائيلي المتواصل بشكل يومّي- يعني كل يوم على مدار السنة منذ 1967. وقد طال هذا العنف كل فلسطيني وفلسطينية في الأراضي المحتلة وأثرّ على مسار حياتهم ومستوى معيشتهم وجودة عيشهم بأشكال عميقة. ورغم التضحيات والبطولة النادرة التي أبداها الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، إلا ان حالة من التعب من عنف الاحتلال المتواصل أوصلت القيادة الفلسطينية الحالية والنخب التي تدور في فلكها إلى الافتراض بأن الشعب الفلسطيني سيقبل بالحل وبالتنازلات التي تفرضها علاقات القوة. وقد يختلف بعض الباحثين والمراقبين حول مدى الإرهاق الذي أصاب الشعب الفلسطيني وحول ما اذا كان قد أصاب شريحة أو شرائح دون غيرها. ولعدم توفرّ أدلة إمبيرية  حول هذا الموضوع من الممكن ان نتعامل معه كافتراض قابلٍ للدحض أو القبول إلى حين توفّر الأدّلة.
  4. تعاون طبقة جديدة نشأت منذ اتفاقيات “أوسلو” مع القيادة الفلسطينية بشكلٍ علني أو غير علني على إيجاد حل يعكس علاقات القوة. وتتشكل هذه الطبقة من كثير من المثقفين والأكاديميين والسياسيين الذين انخرطوا في صفوف السلطة ودوائرها الحكومية ومؤسساتها الأمنية ومشاريعها الاقتصادية. كما تتشكل من بعض أصحاب رؤوس الأموال الذين ارتبطت أعمالهم ومصالحهم مع المحتل الإسرائيلي ومن بعض النشطاء في المؤسسات غير الحكومية التي استقطبت الكثير من النخب وحيدتّها عن العمل السياسي. وكأمثلة على هذا العامل يمكن ملاحظة انخراط بعض الشخصيات الفلسطينية ذات التاريخ النضالي المشهود فيما عرف بـ “وثيقة جنيف” التي ترى في القضية الفلسطينية قضية الجزء من الشعب الفلسطيني القاطن في الضفة والقطاع وتتخلي بشكل تام تقريباً عن حق العودة. ويمكن أيضاً ملاحظة استعداد المفاوض الفلسطيني لتنازلات مُفرطة في قضايا اللاجئين والقدس، وفي المقاومة الخجولة للمطلب الإسرائيلي بالحصول على اعترافٍ فلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية أو كدولة الشعب اليهودي أو الاستعداد لقبول محاولات الالتفاف التي تترك الاعتراف مبطّنا كقبول مبدأ “دولتين لشعبين”. وتسود قتاعة لدى الكثيرين ان عمل السلطة الفلسطينية كحكومة ذات مؤسسات، ووزارات، وأجهزة أمنية، وعلاقات دولية متفرعة، وممثليات في جميع أنحاء العالم، ومصالح اقتصادية وأمنية، وغيرها قد أنتجت الحاجة إلى كوادر بيروقراطية لإشغال هذه المناصب الحكومية من أعلى المستويات إلى أدناها وان الكثير من هذه الكوادر صارت ذات  مصلحة  بوجود أجهزة دولة حتى قبل قيام الدولة. وحسب هذه القناعة فإنّ هذا الواقع يدعم تنازل المفاوض الفلسطيني من أجل التوّصل إلى الدولة. وبذلك فإن المصلحة في قيام “دولة” صارت تأخذ منحىً لا ينطلق بالضرورة من المصلحة الوطنية الفلسطينية.
  5. انتشار الاعتقاد لدى أوساط واسعة من الشعب الفلسطيني بأن المرحلة الحالية تشكلّ الفرصة التاريخية الأخيرة لإقامة دولة فلسطينية. وقد تعالت أصوات معبرة عن هذا الاعتقاد في الأراضي المحتلة عام 1967. وفي نفس الوقت فإن أصواتا أخرى بين النخب الفلسطينية أخذت تبرز منذ مدة وأخذت تتحدث عن بدائل للتقسيم وينتشر مؤيدو التفكير البديل أفقياً بين أوساط الشباب وبعض الأكاديميين ونشطاء المجتمع الأهلي، خاصة في خارج فلسطين أو داخل إسرائيل. ولا زالت هذه الأوساط تفتقر التنظيم.  وبشكل عكسي فإن الحديث عن بدائل مثل حلّ الدولة الواحدة يزيد من تمسّك بعض النخب بحلّ الدولتين لأنه يشكلّ حسب اعتقادهم البديل الوحيد الذي يعطي للفلسطينيين حلاً فيه دولةٌ فلسطينية مستقلة. ويعتقد هؤلاء – وبحّقٍ في نظري- أنّ حلاً لا يعتمد التقسيم سيغلق الباب على إمكانية إقامة دولة فلسطينية بالمفهوم السياسي المألوف “لدولة- شعب” ذات سيادة واستقلال. إلا أنهم بذلك يحصرون معنى حق تقرير المصير بمفهوم ضيق هو مفهوم “دولة- شعب”.
  6. الانقسامات الفلسطينية الداخلية.  تنهك هذه الانقسامات السياسة الفلسطينية وتهدد بتثبيت حالة من الاختلاف قد تَضرب جذوراً عميقة حين تتأسس على تجارب سياسية مختلفة. وقد تزيد حالة العزل في مناطق جغرافية مغلقة أو منفردة، وعدم توفّر وسائل وإمكانيات التواصل الإنساني والسياسي المباشر- قد تزيد من حدة الاختلاف.

يمكن الادعاء ان تحقيق البرنامج السياسي  الذي يمثلّه هذا القطب – في حال نجاحه  -سيسهم في عملية تجزئة القضية الفلسطينية وفي تثبيت هذا التجزيء. وفي الواقع لم يأتِ هذا التوجه بجديد من حيث قبول تجزئة الوطن الفلسطيني نفسه. لقد كان قبول تجزئة الوطن الفلسطيني متَضّمناً في طرح حلّ الدولة الفلسطينية في سنوات السبعين ثم صار صريحاً عند المجاهرة بقبول حلّ الدولتين في الثمانينات على أساس قرار التقسيم رقم 181 (من سنة 1947) للهيئة العامة للأمم المتحدة. إلا أن الجديد الذي يضيفه هذا القطب يتمثل في قبول السلطة الفلسطينية مبدأ تجزئة الشعب الفلسطيني نفسه ومبدأ تجزئة القضية الفلسطينية.

الإطار التفاوضي الحالي هو إطار معطوب. ويستدعي الإطار التفاوضي البديل الكثير من العناية في تحديده. فمثلاً إذا كان هدف التفاوض هو التوصل إلى “إنهاء الاحتلال” فذلك يتطلب بالضرورة إطاراً تفاوضياً بديلاً لا يستدعي التطرق مثلاً إلى مسألة “التسوية التاريخية” مع إسرائيل أو التنازل عن حق العودة

يمثّلُ هذا القطب توجها مفادَهُ ان التعامل الواقعي مع موازين القوة يعني انه من أجل التوصل إلى حلّ تفاوضي مع إسرائيل لا بّد من قبول تجزئة الشعب الفلسطيني بين الضفة والقطاع من ناحية، واللاجئين من ناحية أخرى، بالإضافة إلى القبول السابق بان الفلسطينيين في إسرائيل هم أصحاب قضية مختلفة عن قضية الشعب الفلسطيني، وبأنهم عملياً، ليسوا جزءاً من همّ الحركة الوطنية الفلسطينية. لكن لا احد يجرؤ على المجاهرة بهذا الموقف مثلما لم يجرؤ أحدٌ على المجاهرة بموقف تقسيم الوطن في السبعينات من القرن الماضي. ويعكس هذا التفكير فهماً وتفّهما، وإن مبطنّاً، للهاجس الديموغرافي الإسرائيلي وللموقف الإسرائيلي من حق العودة والذي يقضي عملياً بقبول “هجرة” عدد محدود من اللاجئين إلى إسرائيل في إطار برنامج لمّ الشمل. وكذلك يقبل هذا التوجه، برضى تام، التخلي عن إثارة أية قضية تتعلق بالفلسطينيين في إسرائيل (حتى القضايا المتعلقة بالمهجّرين مثلاً) ويرضخ للشروط الإسرائيلية بخصوص الفلسطينيين في القدس والتي تجعل منهم مجموعة ذات مكانة جماعية مختلفة عن أي مجموعة فلسطينية أخرى. وبذلك فإن هذا الفكر يعمل على ترسيخ واقع جديد يعطي تجزئة الشعب الفلسطيني شرعية فلسطينية ويثبتها في أطر سياسية واجتماعية ويسير باتجاه التجزئة بوعي تام وإن كانت تنقصه جرأة المجاهرة بذلك. ومن المرجحّ ان يكون القائمين على المشروع السياسي الذي يمثله هذا القطب عالمين بالثمن المُستَحِّق مقابل نجاح هذا المشروع. فمن الملاحظ مثلاً ان السلطة الفلسطينية تمثل ما تعتقد هي انه مصالح الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، وتعلم ان مشروعها لا بّد ان يأتي على حساب باقي أجزاء الشعب الفلسطيني. انها تقبل- للاسباب المذكورة أعلاه وحسب منطقها هي- ان يدفع باقي أجزاء الشعب الفلسطيني ثمن “إنجاز” دولة كمحصلة تفاوضية.

أما من ناحية مدى التأييد لهذا التوجّه بين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم المختلفة فإن تحديده يتطلب مراجعات ودراسات إمبيرية. لكن بشكل عام- يمكن القول ان التأييد يرتكز في الاساس على السلطة الفلسطينية والنخب التي أفرزتها العملية السياسية منذ اتقاقيات أوسلو  عام 1993 وعلى شرائح اجتماعية تحدد مواقفَها العوامل التي ذكرناها سابقاً. كما يلقى هذا التوجه تأييداً من أوساطٍ داخل الفلسطينيين في إسرائيل تقبل وتجند قواها السياسية المنظمة لكل ما تقبل به السلطة الفلسطينية. ويشمل ذلك في تقديري أقساماً كبيرة من مؤيدي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحزب العربي بما يمثل حوالي نصف القوة السياسية الفلسطينية في داخل إسرائيل (إلا انه لا يشمل مؤيدي حزب التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية الشمالية والذين يمثلون حوالي النصف الآخر). ويجدر بنا دراسة مواقف الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم (كجمهور، وكنخب وقوى وأحزاب سياسية) من الحلول السياسية المطروحة.

ب‌.         الهوية الوطنية الفلسطينية

في القطب الآخر والذي يمثل الهوية الوطنية الفلسطينية نلحظ الالتفاف حول أفكار مناقضة للافكارِ التي يمثّلها القطبُ الأول. وترتكز هذه الأفكار على مركبّات الوطنية الفلسطينية وعلى مركبّات “الضمير الفلسطيني الجماعي” – إن أمكن استعمال هذا المصطلح – والذي يعتمد الرواية الفلسطينية والتجربة الجماعية. وتتناقض معظم مركبّات هذا القطب مع مركبّات القطب الأول بشكل مباشر. فهذه الأفكار ترفض قبول علاقات القوة أو بما يعرف بـ  realpolitik  كبوصلة للتفكير السياسي. وتعتمد الأفكار السياسية،  حتى لا نقول التفكير السياسي، على عدالة القضية الفلسطينية وعلى دوافع إحقاق العدل وعلى أسس الوطنية الفلسطينية التي رشدّت فكر المقاومة الفلسطينية، بمفهومها الواسع، قبل وبعد بدء النكبة، أي منذ بدء مقاومة المشروع الاستيطاني في فلسطين. وبذلك فهي تتميز بما يلي:

  1. 1.           مركزية الهوية الوطنية الفلسطينية. وتتمثل الوطنية الفلسطينية بالانتماء للشعب الفلسطيني كلّه وليس لأجزاء منه. ويُجمع كل الشعب الفلسطيني على رواية وذاكرة تشكّلت بسبب الانتماء للشعب الفلسطيني ولفلسطين، ولا زالت تشكل النواة الصلبة للانتماء الوطني. ويكفي المرور بفصول الرواية الفلسطينية بدءاً بما قبل بداية النكبة ومروراً ببدأ النكبة وبتجارب اللجوء والمقاومة والاحتلال والانتفاضات، لتشكّل تجربة إنسانية جماعية عميقة تأخذ بسبب عمقّها وأثرها الجماعي مكانة مركزية في تشكل الهوية الوطنية الفلسطينية. وتجد هذه الوطنية تعبيراً عنها على مستوى الرواية والذاكرة والانتماء والايمان العميق بعدالة القضية الفلسطينية ورفض الصهيونية والتصالح معها. وقد نجحت هذه الهوية الوطنية، على مستوى الوعي الفلسطيني الجماعي وعلى المستوى المعنوي،  بالتغلب على ظروف الانقسام الجغرافي والعزل بين أجزاء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجهِ رغم غياب المشروع الذي يعكس هذه الهوية الوطنية في برنامج سياسي يشمل كل الشعب الفلسطيني. وبذلك فإن رواية النكبة مثلاً تحّتل مكانة مركزية في الوعي الفلسطيني الجماعي وبحسبها يترتب على الإسرائيلي ان يأخذ المسؤولية التاريخية عن احتلال فلسطين عنوة وتشريد أهلها، وأن يقبل بحق عودة اللاجئين مبدئياً من منطلق المسؤولية التاريخية عن جريمة التشريد وعملياً بحيث يستطيع الفلسطيني تطبيق حقّ العودة. وبذلك فإن مركزية الهوية الوطنية الفلسطينية تتواقف مع الوعي بوحدة الشعب الفلسطيني. غير أن الواقع السياسي يتحدى هذا الوعي. كذلك ليس هناك مشروعاً سياسياً يعتمد هذا الوعي أو يعمل على استمراره. وعليه فإن الفارق ما بين الوعي الفلسطيني الجماعي والواقع السياسي (بما في ذلك البرامج السياسية المطروحة) وتحدي أحدهما للآخر هو جوهر التباين الذي يتطلب المعاينة الواعية.
  2. 2.           وحدة الوطن الفلسطيني. ليس هناك من شك في ان الوعي الفلسطيني الجماعي يعتبر فلسطين وطناً مسلوباً حتى لو ان الخطاب السياسي المهيمن تخلّى عن اللغة التي تعكس هذا الوعي تجاوباً مع مستحقات الحلول السياسية المطروحة. ويرتبط هذا الوعي بقضية اللاجئين وحق العودة أكثر من أي قضية أخرى. ويرتبط حق العودة، في الوعي الفلسطيني – حتى ان كانت البرامج السياسية المطروحة تناقض ذلك – بالوطن الفلسطيني وبالتحديد، بالجزء منه الذي أقيمت عليه دولة إسرائيل. وفي الواقع فإن حق العودة يكتسب معنىً مختلفاً إذا لم يكن القصد ان تكون العودة إلى هذا الجزء من فلسطين. ويرتبط الموقف من حق العودة بالموقف السياسي من وحدة الوطن. ولذلك فإن الأفكار السياسية المتوافقة مع مركزية الهوية الوطنية الفلسطينية والتي تضع حق العودة في المركز ترتبط بتصور يعتمد على وحدة الوطن الفلسطيني، وعلى وحدة الشعب الفلسطيني، كما ذكرنا في البند السابق.
  3. 3.        تجاهل إطار علاقات القوة. يتجاهل القطب الذي يسند توجهاته من اعتبارات الهوية الوطنية الفلسطينية، علاقات القوة القائمة بين إسرائيل والفلسطينيين ويتجنب مناقشة أطروحات سياسية ضمن هذا الإطار. وكذلك فهو لا يعتمد القرارات الدولية مثل قرار 181 كأسس للعدل. وكما رفض الفلسطينيون تاريخياً قرار التقسيم فإن هذا القطب يستمر في الرفض ويعتمد على حق الفلسطينيين الطبيعي في وطنهم كأساس للعدل ويبحث عن بدائل للتقسيم. وإن كان القطب الأول يفشل في إدراك مصادر إضافية للقوة الفلسطينية الكامنة والقوة العربية الممكنة وبذلك نستطيع ان نأخذ عليه انه أقلّي (minimalist) فإن القطب الثاني يراهن على المستقبل وعلى مصادر قوة فلسطينية وعربية وإقليمية وتضامن عالمي ستقود إلى تغيير علاقات القوة القائمة وبذلك فهو مستقبليّ في توجهّه.
  4. 4.           غياب البرامج السياسية. لا يطرح هذا القطب حلولاً سياسية أو أفكاراً لبناء برامج سياسية تعكس مركزية الهوية الوطنية الفلسطينية ووحدة الوطن الفلسطيني والشعب الفلسطيني. ومن الممكن الإدعاء ان الأفكار المطروحة حول حل الدولة الواحدة بأشكالها المختلفة – دولة ثنائية القومية، أو دولة علمانية ديموقراطية- تتماشى مع أفكار هذا القطب. ومن الواضح انه رغم إزدياد الحديث عن حلّ الدولة الواحدة ورغم ان هذا الحلّ قد طرح فلسطينياً (منذ العام 1968) – وإن كان بشكل شعاريّ ينقصه المضمون الملموس- فلا تزال الأفكار حول هذا الموضوع حتى اليوم عاجزة عن طرح برنامج يتعامل مع الحواجز الفلسطينية والإسرائيلية والدولية ولو على شكل نقاش فكري معها. ويتناسب إزدياد النقاش حول حل الدولة الواحدة عكسياً مع إمكانيات نجاح حلّ الدولتين. فكلما زاد الاقتناع بعدم إمكانية تحقيق حلّ الدولتين كلما تزايد النشاط الفكري والأكاديمي حول حلّ الدولة الواحدة. وفي الواقع فإن التطورات السياسية في المنطقة وفي السياسية الدولية، وبخاصة مواقف الولايات المتحدة، قلّل كثيراً من الاقتناع بين أوساط متزايدة من النخب والجماهير الفلسطينية بإمكانية حل الدولتين. ومع ذلك لم يتحول النشاط الفكري والأكاديمي المتصاعد حول حلّ الدولة الواحدة – بما في ذلك في أوساط بعض المثقفين في الغرب- إلى برامج سياسية أو إلى تنظيم سياسي-فكري يعتمد هذا الحلّ. وليس من الصعب فهم الأسباب لغياب البرامج السياسية التي تعتمد على الهوية الوطنية الفلسطينية إذ أنها بطبيعة الحال ستبدو غير واقعية لأنها ستطرح خارج الإطار القائم لعلاقات القوة.

ج, بين الحل السياسي والهوية الوطنية الفلسطينية

باستثناء فترة قصيرة، تميَّزَ الوضعُ السياسي الفلسطيني منذ بدء التنظيم السياسي بعد بداية النكبة (أي منذ العام 1965) وحتى اليوم، بتناقضٍ مستترٍ أحياناً ومكشوف أحياناً أخرى بين الحل السياسي المطروح (أو الشعار السياسي) وبين الهوية الوطنية الفلسطينية. والفترة المستثناة هي السنوات الأولى لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وحتى عام 1974. في تلك الفترة كان الشعار السياسي المطروح هو شعار العودة والتحرير، ولا نقول هنا الحل السياسي لأن الشعار لم يطوّر رؤية تتعامل مع الأسئلة المركزية التي تواجهها الدولة الحديثة بما في ذلك النظام السياسي أو أسئلة دستورية أو مكانة اليهود الإسرائيليين بعد التحرير، أو علاقات العرب واليهود عداك عن استراتيجيات تحقيق العودة والتحرير. الا ان هذا الشعار اعتمد عودة اللاجئين- في المقام الاول- وتحرير الوطن الفلسطيني. وعلى الرغم من المآخذ العديدة  على عمل منظمة التحرير الفلسطينية في تلك المرحلة وعلى مضمون الشعار السياسي- ما ضِمَن وما غَيَّب- وعلى آليات العمل السياسي والتنظيمي والعسكري، إلا انه ما يهّمنا في هذا المقال هو التجانس بين الحلّ السياسي المطروح وبين الهوية الوطنية الفلسطينية والرواية الفلسطينية. وبطبيعة الحال لم يكن الحلّ السياسي المطروح في تلك الفترة واقعياً ولم يأخذ بالحسبان علاقات القوة القائمة ولا الأوضاع الإقليمية والدولية. وسنستنتج لاحقاً أن أي حل سياسي يُطرح على أسس الهوية الوطنية الفلسطينية التي تأخذ وحدة الوطن والشعب الفلسطيني كمنطلقات، لن يكون واقعيا في فترة طرحه.

في عام 1974 أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني – في دورته الثانية عشرة التي انعقدت في القاهرة – البرنامج السياسي المرحلي والذي بموجبه يحق للشعب الفلسطيني إقامة دولته على كل جزء يتم تحريره من الأرض الفلسطينية. منذ تلك الفترة دخلت القضية الفلسطينية حالةً إنفصل فيها الحلُّ السياسي تدريجياً عن مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية. وكما هو معلوم فقد تطوّر العمل السياسي الفلسطيني منذ ذلك الحين في ظروف سياسية إقليمية ودولية صار بموجبها من المفترض اللجوء إلى الخطاب السياسي الذي يعتمد حل دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، وبدأت بموجبها وتيرة خطاب العودة والتحرير بالانخفاض التدريجي. وكان التعاون مع الاتحاد السوفيتي ودعمه لمنظمة التحرير ومساعدته في وصول ياسر عرفات إلى الأمم المتحدة يعتمد على هذا الافتراض. وبشكلٍ عكسي دعّمت حرب اكتوبر 1973 والمفاوضات المصرية الإسرائيلية والسوريّة الإسرائيلية التي تلتها هذا التوجّه. وقد إزدادت التصريحات والتلميحات الفلسطينية بقبول حلّ الدولتين إلا ان إسرائيل كانت ترفض ذلك بشكل قاطع وترفض الاعتراف بمنظمة التحرير بدعم أمريكي صلب. وقد تطور خطاب الدولة الفلسطينية العلني تدريجياً إلى قبول قرار التقسيم عام 1988 بعد أقل من سنة من بَدْء الانتفاضة الفلسطينية الاولى.

وبشكل رَجْعيّ، ربما، يجب أن يقال بأن حلّ الدولة الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 هو منذ البداية حل الدولتين. ويجب ان يقال أيضاً ان هذا الحلّ لا يتوافق ولم يتوافق مع حق العودة، أو- حتى نكون أكثر دقّة- مع تطبيق حق العودة، وأنَّ هذا الحلّ يفترض، وإن كان الافتراض مستتراً، بأن حق العودة لن  يكون بالإمكان تطبيقه في إطار هذا الحلّ. ومع ذلك نحن نعلم ان الموقف الفلسطيني الرسمي (بما في ذلك الموقف الرسمي الحالي الذي يصدر عن السلطة الفلسطينية) لم يتخلى – على المستوى الخطابي- عن حق العودة. وما يستحق المعرفة هو مدى معرفة النخب السياسية الفلسطينية المتنفذة بأن حل الدولتين يتناقض بشكل جوهري مع حق العودة وأنه في حال التوصل إلى حلٍّ كهذا فإن حق العودة لن يكون ممكناً للتطبيق.

تتمثل الوطنية الفلسطينية بالانتماء للشعب الفلسطيني كلّه وليس لأجزاء منه. ويُجمع كل الشعب الفلسطيني على رواية وذاكرة تشكّلت بسبب الانتماء للشعب الفلسطيني ولفلسطين، ولا زالت تشكل النواة الصلبة للانتماء الوطني

وكما أن حل الدولة الفلسطينية على الأراضي المحررة قد بدأ في مسار نتج عنه فصل الحل السياسي عن  شروط الهوية الوطنية الفلسطينية، وأوصل إلى المجاهرة بحلّ الدولتين في الظروف السياسية الإقليمية والعالمية المعَقَدّة فإن حلّ الدولتين قد أوصل السلطة الفلسطينية، وتحديدا بعد رحيل ياسر عرفات، إلى النتيجة الطبيعية العملية وهو حل “دولتين لشعبين” بدون التشديد على هذه الصيغة. وكان أول من رفع هذا الشعار مجاهرة هو حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة داخل إسرائيل بدعم من الاتحاد السوفيتي في فترة تسبق كثيراً مجاهرة منظمة التحرير بحلّ الدولتين. إلا أنّ هذا الشعار- في صيغة “دولتين لشعبين”- لم يُقرّ في أي اطار فلسطيني. ويغلق حل “الدولتين لشعبين” الباب- عملياً وأخلاقياً- على حق العودة. ويسأل الإسرائيليون ومعهم يسأل كثيرون في العالم لماذا يحقّ للفلسطينيين حسب منطق هذا الحلّ ان تكون لهم دولتهم في الضفة والقطاع ولا يحق للشعب اليهودي ان تكون له دولته في إسرائيل؟ وإن كان الحلّ المطروح حلّ “دولتين لشعبين” فكيف يتوافق ذلك مع حق العودة؟  إذن فمن المنطقي أن تكون العودة حسب هذا الحلّ كما حددتها اقتراحات الرئيس كلينتون من عام 2000- ، إلى الدولة الفلسطينية.

كما أن هذا المنطق هو الذي أوصل رئيس السلطة الفلسطينية والمفاوض الفلسطيني إلى التعامل مع مطلب إسرائيل بالاعتراف بها كدولة يهودية بشكل يتجاهل جزءاً آخراً من الشعب الفلسطيني. ويتلخص الردّ الفلسطيني على مطلب إسرائيل هذا، بأن الفلسطينيون قد اعترفوا سابقاً،  ومنذ عام  1993، ويعترفون حالياً بإسرائيل، وأنّ إسرائيل من وجهة النظر الفلسطينية الرسمية (على لسان رئيس السلطة الفلسطينية وعلى لسان كبير المفاوضين الفلسطينيين) تستطيع أن تعّرف نفسها كما تشاء. ويُستدّل من ذلك ان تعريف إسرائيل لنفسها كدولة يهودية لن يؤثر على اعتراف الفلسطينيين بها ولا يغير من المواقف الرسمية الفلسطينية تجاهها.

وبهذا فقد وصل الشرخ بين الهوية الوطنية الفلسطينية وبين الحلول السياسية المطروحة والخطاب السياسي الفلسطيني إلى أوجه. ان الموقف من مطلب إسرائيل الاعتراف بها كدولة يهودية يصيب (يقوّض) جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية. صحيح ان قبول هذا الاعتراف يوصد الباب أمام المفاوض الفلسطيني حتى في المطالبة بتحقيق حق العودة، وصحيح انه يعطي شرعية فلسطينية لتثبيت دونية الفلسطينيين في إسرائيل في وطنهم وصحيح ان وطنهم يصبح باعتراف فلسطيني دولة اليهود، ولكنه أكثر من ذلك كله يقوّض أسس الهوية الوطنية الفلسطينية ذاتها إذ انه يعترف بشكل ما بالصهيونية وبحقها في إقامة دولة يهودية في فلسطين.

وللحقيقة، حسب ما نعلم، فإن السلطة الفلسطينية لم تقدم لإسرائيل الاعتراف المطلوب وأخذت مؤخراً تجاهر بمعارضتها لتقديم مثل هذا الاعتراف. الا ان الردّ الفلسطيني يشير إلى الهوّة الواسعة بين الحلول المطروحة ومستحقاتها وبين مستحقات الحفاظ على هوية وطنية فلسطينية تجمع جميع أجزاء الشعب الفلسطيني.

وللخلاصة، فإن الشرخ الحالي بين الحلول السياسية المطروحة وبين جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية قد وصل إلى حدٍ لا يمكن معه الاستمرار في السعي وراء هذه الحلول بدون ان يترك ذلك  آثاراً عميقة في تماسك الهوية الوطنية الفلسطينية، وهي حلول قد تطال ضرب جوهرها وإعادة تشكيلها بما يتلاءم مع نتائج الحلول التجزيئية المطروحة التي تسير نحو حصول جزء من الفلسطينيين على ما يشبه الدولة على أجزاء منقسمة من فلسطين. وفي تلك الحالة لا يجب أن نقللّ من تداعيات ذلك على الهوية الوطنية الفلسطينية إذ أنها ستشكل الأسس السياسية والاجتماعية والمعنوية لإعادة تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية. ففي أوضاع سياسية تكون فيها دولة أو ما يشبه الدولة الفلسطينية على أراضٍ في الضفة والقطاع تسمى “دولة فلسطين”، يثبت تقسيم الشعب الفلسطيني والوطن الفلسطيني والانتماء الفلسطيني. وتصبح هذه النتيجة مدخلاً لتحويل الهوية الوطنية الفلسطينية ذاتها من انتماء مشترك، تجمعه الرواية الجماعية، المقاومة،  إدراك حجم الغبن التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، والعمل على إصلاح الغبن، والتوّق إلى التحرر وإحقاق العدل حسب أسس الوطنية الفلسطينية إلى هوية تُعّرف لدى أجزاء كبيرة من الشعب الفلسطيني بشعور عميق بالانهزام والغبن الذي لم يتم إصلاحه، والسخرية النابعة من انتصار القوة على العدل، وعدم المقدرة على إحقاق الحق وربّما بنقمة الاجيال المقبلة على جيل قَبِل بالخضوع من أجل الحصول على دولة مقابل تمزيق مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية، وفي النتيجة التجزئة الهوياتية والفعلية للشعب الفلسطيني.

لقد أُرسِيَت أسس الشرخ بين الحل السياسي ومتطلبات الهوية الوطنية الفلسطينية منذ سنوات السبعين وتطورت إلى شكلها الحالي بعد أن اصبح الحل السياسي المطروح هو، عملياً، حل “دولتين لشعبين”. وفي المرحلة الحالية ليس هناك حل سياسي مطروح يتلاءم مع الهوية الوطنية الفلسطينية، وذلك لان الواقع السياسي المحكوم بموازين القوى لا يترك مجالاً لطرح مثل هذا الحل ولأن الحلول التي من الممكن أن تتوافق مع الهوية الوطنية الفلسطينية تبدو طوباوية وغير واقعية، ولذلك لا يتم نقاشها أو الخوض في تفاصيلها.

د. نحو التوافق بين الهوية الوطنية والحل السياسي

في هذا الجزء من الورقة سأطرح بعض الأفكار الأولية حول تطوير حلول تضمن التوافق بين الحل السياسي وبين أسس الهوية الوطنية الفلسطينية. وقبل طرح هذه الأفكار سأعرض يلي: 1. حيثيات الحاجة للتفكير في اتجاه توافقي 2. بعض الملاحظات حول الهوية الفلسطينية وعلاقتها بالهوية الوطنية الفلسطينية،  وكيف تدفع هذه العلاقة باتجاه التفكير التوافقي. 3. سأذكر باقتضاب بعض الأفكار الأولية حول متطلبات الحلّ التوافقي واستراتيجيات العمل التي يتطلبها مثل هذا الحلّ.

  1. 1.     التوافق بين الحلّ السياسي وأسس الهوية الوطنية الفلسطينية

لو طرح أمام الفلسطيني الخيار بين حل يعكس ما أسميناه في هذه الورقة قطب “التسوية التجزيئية”، أي دولة فلسطينية في أجزاء من الضفة والقطاع كنتيجة تفاوضية تؤدي، بسبب نواقصها، إلى شرخ الهوية الوطنية الفلسطينية بسبب التنازل عن حق العودة وتجزيء الوطن والشعب الفلسطيني وما إليه، وموقفٍ يعكسه “القطب الثاني”، أي الالتزام بأسس الهوية الوطنية الفلسطينية، والبقاء حالياً بدون حل سياسي، لكانت هناك حاجة لنقاشٍ سياسي متعمق وشفاف حول الأثمان السياسية والأخلاقية لكل واحد من هذه الخيارات، ولكانت هناك حاجة للعودة إلى الشعب الفلسطيني لمناقشتها. وان كانت الخيارات واضحة للبعض منّا فأنا لا أعتقد انها خيارات سهلة لمن يقبع تحت الاحتلال أو لمن يقضّي حياته قي مخيمات اللجوء. إلا ان الأمر، على كل حال، هو ليس كذلك. ليس هناك ما هو معروض للاختيار في المرحلة الحالية ولن يعرض الأمر وكأنه اختيار بين هذين القطبين.

أنا افترض في نقاشي فيما تبقى من هذا الفصل أن خيّار القطب الأول لم يعد واقعياً وذلك لان المنظومة الفكرية- البراديغم- التي اعتمدت حل الدولتين قد سقطت. فإذا كان البعض منّا قد لفت الانتباه منذ عقد ونصف إلى أن المؤشرات بدأت تدّل على فشل المنظومة الفكرية الحالية في إعطاء أجوبة للمسائل الأساسية (أو المعضلات في حال “البراديغمات” العلمية) التي يفترض بحل الدولتين ان يعطي لها حلولاً، فإن سقوط “البراديغم”  قد تتوجّ عندما برز إلى السطح المطلب الإسرائيلي بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية.

أرى أن هذا المطلب قد كشف فشل  هذا “البراديغم” بشكل نهائي. فبالإضافة إلى عجز حل الدولتين في إعطاء حلول لمعظم قضايا الحل النهائي- اللاجئين وحق العودة وكل الأسئلة المتعلقة به، القدس، المستوطنات والمستوطنين- وبالإضافة إلى الدمج الجغرافي، الاستراتيجي، والنفسي لأجزاء من الضفة الغربية في إسرائيل فإن مطلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية كشف عن سبب عميق آخر للصعوبة الفائقة وربما استحالة قبول إسرائيل بقيام دولة فلسطينية قابلة للعيش. ويمثل هذا المطلب ليس موقفاً تفاوضياً تكتيكيا، كما يعتقد البعض، إنما خوفاً إسرائيلياً عميقاً لا يمكن للإسرائيليين التعامل معه إلا بالسيطرة واليقظة والمواجهة والعنف. وينبع هذا الخوف من إدراك إسرائيلي عميق – هو في الواقع إدراك الكولونيالي الذي سلب وطن شعبٍ آخر- بأن الفلسطيني يعلم ان وطنه مسلوب . وحسب هذا الادراك فإن التسوية المعتمدة على حل دولتين بدون إضفاء الشرعية على الدولة اليهودية وحقّها في الوجود كدولة الشعب اليهودي قد يؤدي في ظروف إقليمية ودولية مختلفة وفي أوضاع تختلف فيها موازين القوى إلى تغيير الموقف الفلسطيني ومحاولة إسترداد الوطن المسلوب. ان معضلة الإسرائيلي انه لن يستطيع الحصول على شرعية السلب والطمأنة من هذه المخاوف، وانه اذا لم يحصل على هذه الطمأنة فإنه لن يستطيع ان يقبل بدولة فلسطينية مستقلة. ويتداخل هذا العامل- الخوف النابع من الحالة الكولونيالية – مع العوامل الأخرى مثّل استمرار الاستيطان، والايدولوجيا الصهيونية ذاتها والاعتياد على سرقة الأرض، وجاذبية خيار التوسع كونه جزءاً من الجوهر الكولونيالي، وصعود الصهيونية الدينية، وانزياح المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين، وقوة المستوطنين ليغلق الباب على حلّ الدولتين. وقد يكون من الخطأ ان يغلق الفلسطيني باب المفاوضات حتى لو اغلق باب الدولتين. على الفلسطيني ان يطور الاستراتيجيات التفاوضية وان يعرض مواقف متفق عليها فلسطينياً وان يعمل على بناء مقومات القوة لدعم المواقف الفلسطينية. ولكن يجب ان يكون مسار المفاوضات مسار واحد من عدة مسارات وأن يكون متجانساً معها من خلال استراتيجية فلسطينية للوصول إلى أهداف سياسية واضحة المعالم. إلا انّ ذلك يبقى موضوعاً لنقاشٍ آخر. واذا كانت إمكانية الحل التفاوضي التجزيئي قد وصلت إلى نهايتها، وإذا كان الثمن الذي يدفعه الشعب الفلسطيني مقابل الجَرْي وراء المفاوضات هو ثمن باهظ يُدفع بعملة تجزئة الوطن الفلسطيني والشعب الفلسطيني والتنازلات عن حقوق أساسية أهمها حقّ العودة والشرخ الممكن في الهوية الوطنية الفلسطينية والهوية الفلسطينية ذاتها- فقد يكون من المناسب العمل على تجنيد الشعب الفلسطيني من أجل صياغة تصورات جديدة تتوافق مع وحدة الشعب الفلسطيني ووطنه ومع هويته وجوهرها.

في عام 1974 أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني البرنامج السياسي المرحلي والذي بموجبه يحق للشعب الفلسطيني إقامة دولته على كل جزء يتم تحريره من الأرض الفلسطينية. منذ تلك الفترة دخلت القضية الفلسطينية حالةً إنفصل فيها الحلُّ السياسي تدريجياً عن مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية

وكما ذكرت سابقاً فإن ما يغيب عن القطب الذي يعتمد الهوية الوطنية الفلسطينية أساسا لتفكيره السياسي هو  ليس فقط بدائل للحلّ، بل التصور لكيف يمكن ان يكون هناك مستقبل للشعب الفلسطيني في فلسطين يضمن للشعب الفلسطيني حقه الأول في العودة وفي تقرير المصير، ويركز على الإنسان وعلى الشعب، على التحرر من الاحتلال، والكرامة والمساواة وليس بالضرورة على مفهوم الدولة. فإذا كان فكر”الدولة” الذي أُطلق في سنة 1974 (وفي الواقع زُرعت بذوره سنة 1968 مع فكر “الدولة الواحدة”) هو الذي أوصل بشكل حتمي إلى برنامج “الدولتين لشعبين” وإذا قَبلنا الاستنتاج بأن حلّ الدولتين أضحى حلاً غير واقعي، فإن ما يتوجب علينا اليوم هو توظيف الطاقة الفكرية والسياسية في بناء براديغم جديد يتجاوب مع التصور الجديد.

2. ملاحظات حول الهوية الفلسطينية وعلاقتها بالهوية الوطنية الفلسطينية

يتشكل لبّ الهوية الفلسطينية من التجربة الفلسطينية الجماعية المشتركة. وليس في هذه المقولة أي جديد. ان الجديد- ان كان في الامر كذلك- هو في تحليل في مركبات التجربة الفلسطينية ذاتها وما تضيفه هذه المركبات إلى الهوية الجماعية من طبقات تشبه هويات عربية أخرى وطبقات أخرى تميّز التجربة الفلسطينية. ولأنها تعتمد على التجربة الجماعية فهي ككل الهويات تتمتع بالدينامكية والقدرة على التغيير والتكييف.

ولا ينفي هذا التشديد على التجربة الجماعية المشتركة الانتماء الجغرافي المشترك إلى قطر اسمه فلسطين. بل بالعكس فإن معالم التجربة الجماعية وأهم مميزاتها تشكلت بسبب الانتماء الجغرافي للوطن الفلسطيني وما عاناه الفلسطينيون المنتمون إليه منذ نهاية القرن التاسع عشر. أما العامل التاريخي فقد أعطى الهوية بُعدَها العربي وأبعادها الثقافية الإسلامية التي تشترك فيها مع هويات عربية أخرى. ويعطي الموقع الجغرافي للهوية الفلسطينية بعداً مشرقياً. وقد لا تختلف طبقات الهوية الجماعية الفلسطينية النابعة من الانتماء إلى الوطن الفلسطيني، في تركيبتها عن الهوية الجماعية للشعوب العربية في أقطار جغرافية أخرى مثل لبنان أو سوريا أو مصر. ومع ذلك فإن استهداف الوطن الفلسطيني من المشروع الصهيوني منذ نهاية القرن التاسع عشر كوطن للشعب اليهودي وفقدان الوطن الفلسطيني بالذات وتشريد الشعب الفلسطيني بالذات وما تبعه من تجارب يعّمق لدى الفلسطينيين أبعاداً متميزة من التجربة تبني طبقات من الهوية تختلف بطبيعتها عن هويات عربية أخرى.

وتختلط في التجربة الجماعية الفلسطينية طبقات مستمدة من التاريخ الفلسطيني الحديث – فقدان الوطن والمقاومة المستمرّة – وطبقات أخرى مستمدة، ربما أكثر من هويات جماعية أخرى من حاضر يتميز بإحساس عميق بالغبن وبحالة من “المؤقتية” temporariness)) وطبقات أخرى مستمّدة من تصور مستقبل عادل. ويحضر التاريخ الفلسطيني الانتماء إلى وطن مفقود وإحساس عميق بالفقدان لم يتحول إلى هزيمة لأن المقاومة هي التجربة التي ميزّت تعامل الفلسطيني مع الفقدان. ولولا المقاومة لتشكلت الهوية الفلسطينية كهوية جماعية منكوبة، ومصدومة، ومجزَئّة، ومُحزنة تستحق الشفقة مثل كل ضحيّة. إلا أن المقاومة أعطت للهوية عنصراً غيرّ بسبب مركزيته معاني العناصر الأخرى وأنقذ الهوية الجماعية من أن تطغى عليها هوية الضحية. ويحُضر التاريخ الفلسطيني أيضاً إحساساً جماعياً عميقاً بالغبن كان من الممكن أن يصيب هوية الفلسطيني في الصلب ويضيف إليها مركبات من السخرية ( cynicism)، قبول الأمر الواقع، وقبول علاقات القوة ونتائجها، وربما الهزيمة، لولا أن الوعي الجماعي  الفلسطيني يستحضر العدل والمطالبة به والإصرار عليه. ولذلك فإن العدل، مثل المقاومة، لديه الطاقة في تعريف عناصر الهوية الأخرى مثل الإحساس العميق بالغبن ويحولّه إلى تحدّ ٍ وأمل ودعم للتحرر والتحرير.

ويُحضر التاريخ ما يؤكده الحاضر باستمرار وهو الإدراك العميق بأنّ القوة والهيمنة تعمل على طمس الحقيقة وتحريفها وتزويرها وان القوة والهيمنة عملت على تشويه مكانة الفلسطيني في العالم ورسمت له صورة نمطية شوهّت جوهر تجربته الجماعية. ويحمل هذا الإدراك طاقةً لتشجيع الرؤية النقديّة إذ أنه لو أعتمد الفلسطيني على تجربته لحقّ له التساؤل حول ما يُعرض وكأنه حقائق. وان تكون وطنياً فلسطينياً معناه أيضاً، في كثير من الأحيان، أن تواجه الفكر المهيمن والمسيطر وان تكون في كثيرٍ من الحالات العصرية في موقع الخيار بين أن تكون “ذاتك” وتتحدى الهيمنة والاتجاهات السائدة وتدفع الثمن بأشكال متعددة – منها أن تصبح خارج المكان وأن تُتقن فن السخرية، أو أن تقبل وتساير وتدفع الأثمان، ومنها أن تغترب عن ذاتك وتتقن فن الذي يرقص على الحبال إلى حد أن يصبح هذا الرقص جزءٍ منك. ولولا رفض الهيمنة والالتحام بالرواية، والتي تصبح بحد ذاتها عملية مُقاومة لاغترب الفلسطيني عن ذاته. وتضع التجربة الفلسطينية الشعب الفلسطيني في موقع  تتكرّر فيه الحاجة للخيار بين السيئ والأقل سوءاً أو رفض الخيارين معاً. ويميز هذا الموقع مكانة المجموعة الأقل قوة في علاقات الصراع. ولولا  الالتزام بالمستقبل العادل وبالمقاومة وبالتوق إلى التحرر وتحقيق الحق وعدم قبول الأمر الواقع لخسرت الهوية الفلسطينية ما مكّن الشعب الفلسطيني من تحّمل آثار النكبة، واللجوء، والشتات، والاحتلال، والحكم العسكري، والعنف المباشر والبنيوي، والجرائم ضد الإنسانية، ومن المحافظة رغم كل ذلك على وحدة الشعب الفلسطيني وعلى جوهر من الهوية الوطنية المشتركة. ولذلك فإن الهوية الوطنية الفلسطينية الحالية والتي لم تنحني أمام الفكر السياسي الحالي- لأنه لم ينجح في تحقيق برامجه – هي التي حمت الشعب الفلسطيني حتى اليوم من العواقب الممكنة لما تعرضَ له، وهي التي حمت إنسانيته وساعدت بالمحافظة على كرامته وعلى أمله في المستقبل.

وبالملخص ما نحتاج إليه هو تصور لمشروع سياسي يبني ويثبت مَتْن الهويةِ  الوطنية الفلسطينية المقاومة، ويشدد على المستقبل العادل، الفكر الناقد، التحرر، ووحدة الشعب ويرفض إملاءات القوة والرضوخ للأمر الواقع.

3. نحو مشروع سياسي جديد

حاولت في هذه الورقة ان أبين باقتضاب كيف أن المشروع السياسي الذي اعتمد الدولة قد أوصل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الباب الموصد وإلى خطر الشرخ في الهوية الوطنية الفلسطينية وتهديد أهم مركباتها الصحية. وكما ذكرت سابقاً فإن الهوية  الوطنية الفلسطينية نجحت في المحافظة على ذاتها لأن هذا المشروع لم يكن في أي وقت من الأوقات واقعياً. وإذا كان براديغم حلّ الدولتين قد سقط فيجب أن يصبح واضحاً لنا انه لن تقوم للفلسطينيين دولة في فلسطين كنتيجة لل”عملية السلمية” الحالية. وهذا استنتاج في غاية الخطورة ويستحق النقاش المستفيض قبل القبول به. إلا أن الوضع الفلسطيني نفسه في غاية الخطورة وحالة الصراع مع إسرائيل تبدو حالياً بدون آفاقٍ للحلّ.

ما أود أن أقترحه في هذه الورقة هو بدء التفكير في مشروع لا يضع الدولة بل يضع الإنسان الفلسطيني في المركز. ويعني ذلك أن يعود المشروع الفلسطيني للاعتماد على الهوية الوطنية الفلسطينية لأنها هي التي تُرشّد المشروع الذي يضعُ في مركز أهدافه الإنسانَ الفلسطيني وحقّه في العيش الحر في وطنه وفي تقرير المصير. ولذلك حتى يتوافق المشروع مع الهوية الوطنية الفلسطينية عليه أن يضع نصب عينيه الحلّ العادل، أي العودة إلى الوطن الفلسطيني والعيش بكرامة وبحقوق جماعية تضمن حقّ تقرير المصير في فلسطين حتى لو لم يعني ذلك قيام “دولة- شعب ” فلسطينية. وعليه أن يعيد تعريف حقّ تقرير المصير بحيث تتمحور حول الإنسان الفلسطيني نفسه. وما يريد الإنسان الفلسطيني هو العودة والتخلص من الاحتلال وهو أيضاً الحرية والديمقراطية والمساواة في وطنه. وليست “دولة- شعب” بالضرورة هي الوسيلة الملائمة لتحقيق هذه الأهداف. وتتجاوب هذه الأهداف مع الفقدان، والغبن التاريخي والمقاومة والعدل ووحدة الشعب ووحدة الوطن.

إن الأمر المركزي الذي أود أن أطرحه في هذا الجزء من الفصل هو استبدال فكر الدولة بفكر الوطن وبفكرٍ يتمركز حول الإنسان وحقّه في العيش الكريم والحر في وطنه وهو ما يعني الاعتماد على عناصر الهوية الوطنية الفلسطينية في المشروع المستقبلي. لا يمكن لمشروع كهذا أن يستمر من حيث وصلت السلطة الفلسطينية لان هذا المشروع يعتمد منظومة فكرية بديلة واستراتيجيات عمل بديلة. انه يعمل ليس بواسطة مقارعة الصهيونية من أجل الوصول معها إلى حلّ وسط تقوم بموجبه دولة فلسطينية ودولة يهودية، بل يعمل من أجل التخلص من الصهيونية بعرض بديل فكري إنساني هو النقيض التام للصهيونية. إذا كانت الصهيونية تعتمد الإقصاء والدولة اليهودية الخالصة، فإن مشروع الوطن المشترك يعتمد المشاركة والتضمين (inclusion). وإذا كان المشروع الصهيوني يعتمد الاستعلاء والامتيازات اليهودية فهذا المشروع يعتمد المساواة التامة. وإن كان المشروع الصهيوني يعتمد التجانس (homogeneity) فهذا المشروع يعتمد التعددية. وان كانت الصهيونية تقوم على الإنكار – إنكار الآخر وتاريخه ووجوده وحضارته – فإن هذا المشروع يعتمد على الإقرار- الإقرار بحق اليهودي الإسرائيلي (وليس اليهودي) في تقرير المصير بشكل يتم التفاوض حوله من أجل حفظ حق الفلسطيني في وطنه وفي العودة وفي تقرير مصيره هو. وإن كان ليس هنالك خلاف على حق الشعوب في تقرير مصيرها – فقد صار مقبولاً أيضاً أن شكل تقرير المصير يتحدد بحيث لا يكون على حساب شعوب أخرى. كذلك فإن التعبير عن حق تقرير المصير يأخذ أشكالاً متعددة و “دولة- شعب” هي شكلٌ واحدٌ فقط تجب مراجعة ملاءته في الحالة الفلسطينية لأنه كما ذكر سابقاً لا يحقق الحقوق الوطنية الأساسية. على حقّ تقرير المصير في الوطن أن يُعطي للاجئين الفلسطينيين حق عودتهم إلى وطنهم والعيش فيه وحق تقرير نظام حكمهم واستقلالهم بحيث يعطي لجميع الفلسطينيين ولجميع اليهود الإسرائيليين حقوقاً جماعية تجمعهم في إطار يتم التفاوض عليه بين المجموعتين. وأخيراً وليس آخراً إن كان العنف واستعماله هو طرف العملة الآخر للصهيونية فإن هذا المشروع يعتمد المقاومة الشعبية بجميع أساليبها الممكنة وبذلك يستحضر المقاومة كأحد مركبات الهوية الوطنية وكأحد استراتيجيات المشروع الرئيسية. إلا أن العودة لفلسطين لن تكون إلى ما كانت بل إلى ما هي وما ستكون. ولا يمكن البدء بالتفكير بمثل هذا المشروع بدون التعامل مع اليهودي الإسرائيلي وبناء التصور لمكانته والعلاقة بين الفلسطيني واليهودي الإسرائيلي. ان العودة إلى الوطن والتعامل مع اليهودي الإسرائيلي وبقبول شرعية وجوده قي فلسطين – الشرعية المكتسبة وليس الشرعية الأصلية التي يطالب بها المشروع الصهيوني- هو الثمن الباهظ الذي سيصعب على الفلسطيني دفعه. انه الثمن الذي يقود الكثيرين لتجنبه عن طريق قبول حل الدولة الفلسطينية التجزيئية والتنازلات التي تتطلبها من أجل أن يكون الفلسطيني سيّد في دولته. ولكن المشروع البديل هو أن يكون الفلسطيني سيّد في وطنه يشارك فيه مجموعة أخرى من الأسياد في الوطن تعيش فيه بمساواة جماعية تامة. إنّ ثمن أن يعود الشعب الفلسطيني إلى وطنه وثمن أن يعود إلى وحدة الشعب ووحدة الوطن هو إعادة تعريف حقّ تقرير المصير بما يتناغم مع ذلك.

(بروفسور نديم روحانا هو المدير المؤسّس لمدى الكرمل، المركز العربيّ للبحوث الاجتماعيّة التطبيقيّة؛ المقالة نشرت في مجلة الدراسات الفلسطينية)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>