التشبيح الفلسطيني/ سامر نجيدات

التشبيح الفلسطيني/ سامر نجيدات

محاولات التلميع المستمرّة ومراوغة الواقع الملموس والحقيقة المعلومة والواقع المشهود، باتت أمرًا مثيرًا للاشمئزاز ومستفزًّا للأعصاب. لا يمكن لشخص واعٍ حرّ أن يعطّل العقل والمنطق الصّرف ويجعلهما محاور حزبويّة كلٌ يتعنت على موقفه وهواه نكاية بالآخر

كاريكاتير حول الانتخابات السورية القريبة...

كاريكاتير حول الانتخابات السورية القريبة…

>

|سامر نجيدات|

samer-qلقد أصبحت بوصلة الوطنية عند مؤيدي النظام الأسدي المعتدلين، أو شبيحة النظام الأسدي المتطرفين في الداخل الفلسطيني، هي النظام الأسديّ؛ فمن كان مؤيّدًا للنظام الأسديّ يتلقى بشكل مباشر لقبَ مناضل ووطنيّ ومن كان معارضًا للنظام الأسديّ يعتبر خائنا عميلا وغير وطنيّ. لقد كانت القضية الفلسطينية في الماضي القضية الأساسية، وهي البوصلة التي تحدّد الوطنية، لكن للأسف الشديد أصبحت الأزمة السورية هي البوصلة التي من خلالها يوزّعون شهادات الوطنية على الآخرين.

تراهم يهاجمون بعض القيادات في الداخل الفلسطينيّ كونهم معارضين للنظام الأسديّ ولأنهم مؤيّدون للثورة السورية، حتى وصلت بهم الوقاحة إلى مهاجمة حركة حماس وتخوينها، رغم أنّ حركة حماس التزمت الحياد لأكثر من سنة ونصف السنة. ولكن مع ازدياد وحشية النظام الأسديّ أعلنت وقوفها إلى جانب الشعب السوريّ ونسوا أنّ حركة حماس قدّمت كبار قياداتها وأبناء وعائلات قياداتها شهداء في سبيل القضية الفلسطينية.

هناك شبيح من الداخل الفلسطيني ومعروف للجميع، قالها لي بالحرف الواحد: الأسد دكتاتوريّ ومجرم ولا يحق أن تتحكّم عائلة كالأسد في مصير شعب كامل، لكن أنا أؤيده نكاية في بعض الأحزاب العربية وقياداتها لأنهم مع الثورة السورية. يعني أنّ تأييده كان من مبدأ خالف تعرف، فقط!

يعيش الشعب السوري منذ أكثر من 40 عامًا تحت نظام دكتاتوريّ ومخابراتيّ وطائفيّ وقمعيّ ومستبد وظالم، حتى أنّ الحرية والديمقراطية في الأردن أفضل بكثير من سورية، رغم أنها نظام ملكيّ.

بدأت الثورة السورية في درعا المدينة ذات الطابع العشائريّ، بسبب اعتقال أطفال صغار لأنّهم كتبوا شعارات مُعادية للنظام الأسديّ كونهم تأثروا بالثورات العربية ضدّ الطغاة في تونس وليبيا واليمن ومصر، ولم يشفع لهم صغرهم وجهلهم السياسيّ، وقاموا بتعذيبهم أشدّ العذاب. عندها انطلقت مظاهرات تطالب بمحاسبة محافظ درعا وزاد النظام من الاعتقالات وارتفعت المطالب بالإصلاح والحرية، وزاد النظام بطش النظام القاتل وارتفعت المطالب بإسقاطه.

كانت الثورة في بدايتها، ولأكثر من 8 شهور، سلمية وتقتصر على المظاهرات والتظاهرات والاحتجاجات، التي تطالب بالإصلاح وإطلاق الحريات، ولم تُطلق رصاصة واحدة على الجيش أو الشرطة التابعين للنظام الأسديّ. لكنّ تعنت وتكبر النظام وإسرافه بالقتل، حدا بالشعب السوريّ للتسلح ورفع السلاح ضدّ النظام من أجل الدفاع عن النفس.

لا شكّ أنّ غالبية الشعب السوري الذي حكمهم الأسد الأب والابن بيد من حديد، هم ضدّ النظام، ولم ينسوا مجازر حماه المروّعة عام 1982، ولا قصف المساجد والكنائس فيها بحجة محاربة الإخوان المسلمين، حتى أنه جرى اعتقال وقتل عشرات المسيحيين السوريين بحجة انتمائهم للإخوان. وقال المجرم رفعت الأسد آنذاك: سيقول التاريخ إنه كانت هنا مدينة تُسمّى حماة، أي أنه سيُبيدها ويمحوها من الوجود. وخلال حرب 1967 كان الاسد الأب وزيرًا للدفاع وأعلن سقوط الجولان قبل أن تدوسه قدم جنديّ إسرائيليّ من أجل نشر الخوف والرعب بين الجنود السوريّين المرابطين في الجولان، حتى أنه قام بتشجيع مواطني الجولان على ترك بيوتهم وقراهم والدخول إلى داخل سورية؛ بكلمات أخرى: لقد باع الجولان وكافأه الغرب على ذلك بدعمهم له في الانقلاب العسكريّ ووصوله للرئاسة.

ولا شكّ في أنّ أغلبية اللاجئين الفلسطينيين في سورية ولبنان هم أيضًا ضدّ النظام الأسديّ كونهم أكثر من عانى واُضطهد من الجيش الأسديّ في لبنان، ومن ضمن ذلك محاصرة المخيمات الفلسطينية وارتكاب الجيش الأسديّ لمجزرة مخيم تل الزعتر ومجزرة مخيم برج البراجنة، ودعم حافظ الأسد لليمين اللبنانيّ المتطرّف كحزب الكتائب والقوّات اللبنانية وحركة أمل، من أجل مواجهة الفلسطينيّين في لبنان. وقام أيضًا بمحاصرة المقاومة الفلسطينية القويّة آنذاك التي دكّت شمال إسرائيل بمئات العمليات الفدائيّة من جنوب لبنان، وإنهاء دورها وإخراجها من لبنان نهائيًا إلى تونس. وهكذا، أدّى حافظ الاسد خدمة هامّة لإسرائيل. وقد قال ياسر عرفات وقتها إنّ شارون اليهود حاصرهم من البحر وإنّ شارون العرب (حافظ الأسد) حاصرهم من البرّ. وحاول الاسد الأب اغتيال ياسر عرفات مرات عديدة.

منذ احتلال الجولان لم يُطلق النظام الأسديّ حجرًا واحدًا -وليس رصاصة- من أجل تحريره، لدرجة أنه يمنع المواطنين السوريّين من الاقتراب من حدود الجولان، واكتفى فقط بشعارات رنانة وعنتريات مزيفة، وأطلق على نفسه نظام المُمانعة والمقاومة، وأيّ ممانعة وأيّ مقاومة؟! فما فائدة الهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل والاكتفاء بالخطابات فقط؟ فهو لا يختلف عن النظام الأردنيّ الذي عقد اتفاقية سلام ويرتبط مع إسرائيل بعلاقات دبلوماسية واقتصادية؛ فكلاهما يحافظان على حدود هادئة وآمنه لدولة إسرائيل.

خلال الحرب العراقية الإيرانية قامت جميع الدول العربية بدعم الجيش العراقيّ، لكنّ الأسد الاب آنداك وقف ضدّ العراق وجيشها ودعم إيران وجيشها؛ عن أيّ عروبة تتحدثون؟ وقبل الثورة السورية كانت الطائرات الإسرائيلية (وهي ليست طائرات تجارية ولا سياحية بل طائرات عسكرية لدولة عدو) تصول وتجول في الأجواء السورية وتخترق السيادة وتحلق فوق القصر الجمهوريّ في اللاذقيّة، ووصل بها الأمر لقصفها الأراضي السورية، لكنّ النظام الأسديّ التزم الصّمت قائلا: سنردّ في المكان والزمان المناسبيْن.

لقد وصل النظام الاسدي إلى هاوية التخبط السياسيّ، فأصبح يقصف المدن الثائرة بالأسلحة الكيماويّة والبراميل المتفجّرة والأسلحة الثقيلة… حارات هُدمت عن بكرة أبيها. ومن جهة أخرى، يتّهم النظام المعارضةَ بذلك، رغم أنّ المعارضة لا تملك أيّ أسلحة ثقيلة ولا دبابات ولا طائرات.

يدّعي النظام الأسديّ أنّ في صفوف المعارضة إرهابيين أجانب ومنهم داعش (وداعش هي صنيعة النظام من أجل تشويه صورة المعارضة، وحتى يومنا هذا لم يواجه النظام قوات داعش في المناطق التي سيطرت عليها بل يشتري منها النفط في الرّقة)، ونسي النظام أنّ في صفوفه ميلشيات طائفية من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان، ولولاهم لكان النظام الأسديّ في خبر كان.

محاولات التلميع المستمرّة ومراوغة الواقع الملموس والحقيقة المعلومة والواقع المشهود، باتت أمرًا مثيرًا للاشمئزاز ومستفزًّا للأعصاب. لا يمكن لشخص واعٍ حرّ أن يعطّل العقل والمنطق الصّرف ويجعلهما محاور حزبويّة كلٌ يتعنت على موقفه وهواه نكاية بالآخر. فالظلم والقمع الأسديّ واضحان وضوح الشمس، وهذا الموشح الذي يعزفه بعض عرب الداخل من موضة التشبيح الفلسطينيّ صارت مهزلة تُبكي الموتى، وكأنّ بشار وزمرته يمثلون أملاً فلسطينيًا منتظرًا كبشائر الفاتحين. كفانا احتيالا ومخادعة لأنفسنا فهذه ليست تزكية لما تفعله أحزاب وفصائل التشدّد والتطرف ممّن يُعدّون من مناهضي ومناوئي الأسد ونظامه؛ ولكن الله جعل لكلّ شيء قدرًا والنظام السوريّ فاسد بكلّ المقاييس، سواء أكان وطنيًا وإداريًا مع شعبه أم لم يكن. ولا ننسى الدور السلبيّ الذي أدّاه النظام الأسديّ في القضية الفلسطينية، إذ كان لها أوّل الخاذلين في حرب المخيّمات والحرب الأهلية اللبنانية.

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>