عن الحمى المصرية/ راجي بطحيش

|راجي بطحيش| أكاد أقتل هذا الشاب العشريني المأسرل الذي […]

عن الحمى المصرية/ راجي بطحيش

|راجي بطحيش|

أكاد أقتل هذا الشاب العشريني المأسرل الذي سألني:

- شو السيرة الكل صار يحب مصر إسّا؟

هو لا يفهم وأنا لم أفهم.. كيف أن القاهرة هي عاصمتي الحقيقية دون أن أعترف بذلك مرة وبشكل علني.. هو لا يفهم وأنا لا أفهم كيف أنني أكاد أجن. تنتابني حمى في كل بدني. أسير في شوارع تل أبيب وقلبي في القاهرة. أتخيل كيف تبدو الآن الشوارع والميادين والكباري… ماذا يفعل هذا وذاك وذاك ممن أحب أو ممن كنت أحب. أحاول أن أفهم ما العلاقة بين المدينتين القريبتين جغرافيًا والمتباعدتين أو المتنافرتين جذريًا ووجوديًا. التحرير، العتبة، الحسين، مصر الجديدة، المهندسين، باب اللوق؛ هذه هي المدينة الحقيقية التي كنت على موعد معها منذ جيل 17. فأنا من الجيل الذي كان يقضي في القاهرة وقتا أكثر من القدس، من خلال خط الناصرة- القاهرة عن طريق رفح (رايح-جاي.. جاي-رايح) في حافلات قديمة ورجال أمن أشبه بالبلطجية وعذابات صحراوية لا يتسع هذا الحيز لذكرها.

لكن القاهرة كانت دائما بانتظارنا في نهاية الليل لتحتضننا كالأم الصاخبة الشقية ولكن الحنونة الدافئة. كنا نعود دائما برفقة قصص حب عابرة على خلفية أغاني أم كلثوم والكثير الكثير من الدموع. لم أعرف يومًا أكانت دموع مفارقة الحبيب الافتراضي (غير الحقيقي غالبًا) أم فراق المدينة- مدينتي الفعلية وحاضرتي الاختيارية على عيوبها وقذارة شوارعها وضوضائها وسيارات أجرتها المتهتكة. وهكذا ألغي مسار معبر رفح وحلّ الطيران مكان الخطّ الصحراويّ وقلّ السفر إلى القاهرة وحلت محلها المنتجعات (سريعة الذوبان)، إضافة إلى أوروبا وتركيا، وأصبح يستغرقك وقتا طويلا كي تقنع شابا عشرينيا أنّ عليه زيارة وادي النيل وعدم الاكتفاء بشرم وطابا.

هم لا يفهمون وأنا أيضًا لا أفهم.

ففي طريق عودتي من عند صديق يلتقط الجزيرة يداهمني المطر النادر ولكنني لا آبه. هدفي أن أصل الى موقف سيارتي في ديزنجوف سنتر وأن أشغل خدمة “الجزيرة” في نقالي، مع أنني أعرف أنّ ذلك سيكلفني ثمنا باهظا وأنّ أموالي الخليوية ستنتقل إلى جيوب أباطرة المال-السلطة في إسرائيل ولا أريد أن أتخيل جنرالا متقاعدا من الجيش الإسرائيلي تنتفخ جيوبه لمجرد أنني لا أستطيع سوى أن أشاهد ما يحدث في مصر. هذا ما أريد أن أفعله الآن. أن أشاهد ما يحدث في مصر ومباشرة: لا عناوين إنترنتية ولا رسائل نصية. بل مباشرة من ميدان التحرير، من قلب مدينتي/نا الحبيبة.

في طريق عودتي من عند صديقي الذي يلتقط الجزيرة، أشقّ شوارع مركز تل أبيب من شرقها نحو شمال غربها وأفكر: عليّ أن أجد مسكنا مناسبا لحسني وسوزان مبارك. شقة قديمة في المركز؟ أم شقة في أحد الأبراج الجديدة لسادة المال-السلطة أو ربما أكثر شمالا وتحديدًا في أبراج “أكيروف” في الطابق الذي يقع مباشرة أسفل بيت أيهود براك. أو ربما في الضواحي البعيدة مثل “رمات أفيف” أو “أفيكا”، أو قد يُزجّ به في أحد أحياء البؤس التي تعجّ بالمهاجرين الأفارقة الذين نكل بهم نظامه في فرارهم من جحيم بلدانهم.

أصل سيارتي. أشغل “الجزيرة”. أقود سيارتي وأشاهد ميدان التحرير. أصعد الدرج وأنا أشاهد ثم أستلقي وأشغل الإنترنت والتلفزيون والهاتف سوية. هل جننت؟ هل أصابتني الحمى؟ أم أنها الحمى التي تنتاب الجنين عندما تنتفض أمه؟


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

4 تعقيبات

  1. لا افهم هذه العاطفيه للقاهره من تل ابيب. هل انت مريض نفسي؟ كيف تشتاق للقاهره وتعتبرها مدينتك وتعيش في تل ابيب؟؟!!
    هذه كتابه معتله, مشوهه, مفتعله وواضح انها مزيفه. استغلال للحدث من اجل نص اخر نرجسي.

  2. في هذه معك حق، آن الأوان لهذا الحصار أن يتنهي.

  3. عزيزتي
    اتمنى أن تسمح لنا كافة البلدان العربية زيارتها بتأشيرات خاصة دون علاقة بإسرائيل

  4. أول جملة (عن الجحش المأسرل) بعصتلي كيفي، ولكن باقي المقال عوضها. المفارقة أنه مع نجاح الثورة، قد تُلغى اتفاقية الاستسلام بين مصر والكيان الصهيوني، وقد لا تتمكن أنت وبقية الرّفاق والرّفيقات في الداخل الفلسطيني من زيارة مصر الحرّة، إلا إذا تحررت فلسطين.
    وكلَي أمل وثقة أن الحريّة أقرب مما كنا نعتقد…

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>