ثمانية أمتار تحت مستوى الشارع/ خليل ناصيف

|خليل ناصيف| في الأول من أيار، عندما أخبرت صديقتي الكات […]

ثمانية أمتار تحت مستوى الشارع/ خليل ناصيف

|خليل ناصيف|

في الأول من أيار، عندما أخبرت صديقتي الكاتبة إيناس عبد الله، بأنني سوف أغيب لبعض الوقت وأترك العمل المكتبي لأشتغل عامل بناء، وأنضم إلى الذين امتزجوا بالعرق والتراب، قالت لي: “لا بدّ أحيانا من المرور بالقاع قبل الوصول إلى القمة”.

لم أكن أعلم حينها بأنّ إيناس قالت تلك العبارة حين مسّها الوحي، ولم أكن أعلم أنني سوف أشتغل في القاع فعليًا.

أكثر من مسألة قاع وصلت إليها في الأيام الماضية؛ فلم أشتغل في بناية عالية بل انتهى بي الأمر للعمل في حفريات البنية التحتية لملجأ مُسنات بعمق ثمانية أمتار تحت مستوى الطريق ومتر واحد تحت مستوى النوافذ. النوافذ التي اكتشفت منها أنّ ساكنات الملجأ وصلنَ إلى قاع الحياة أيضًا.

في واقع الامر هناك طرق عديدة لتقطيع إنسان ما طولا وعرضا وعمقا، لكنّ أبشع طريقة هي تقطيعه بالزمن. التقطيع بالزمن هو ما أوصل أولئك السّيّدات إلى القاع، وربما التقطيع بنكران الجميل او التقطيع بكل الطرق التي قد تخطر على بال الشياطين والملائكة معًا. لكنني لم أتعرّف عليها ولم أخرج لأكتب قصة إحداهنّ، فلم أتوقع أن أحظى بترحيب مديرة الملجأ وأنا مغطى بالتراب. فهناك شيء اسمه تقطيع بالثياب أيضًا وشوارعنا تنظر بعداء شديد لمن لا يلبس على الموديل.

سوف استحم بعد قليل وأنفض التراب عني، ولكنني لن أنسى أم انطون التي كانت تنادي أولادها بالاسم واحدًا واحدًا ولا مُجيب؛ ولن أنسى كيف تحوّل قسوةُ الانسان أخاه الانسان إلى كيان غير محدّد المعالم؛ كيان يستجدي السجائر من عامل بسيط يعمل تحت النافذة. كانت المرة الاولى التي تمنيت فيها أن أكون مُدخّنًا وأنا الذي أكره التدخين بشدة، فقط كي أعطي تلك السيدة سيجارة تشعل بها ما تبقى لها من وقت.

سوف أستحمّ وأنفض التراب عني ولكن أحمد وسامر -زميليّ في العمل- سوف يغطيهما التراب لوقت طويل؛ سوف يحلمان بالحبّ وسيمرّان برواية قصص خيالية عن مغامرات عاطفية لم تحدث وإجازات لم يحصلا عليها. أحمد وسامر شابان في بداية العشرينات ولكنك عندما تمرّ بهما لن تراهما وربما يتواريان عنا بخجل لأنّ ثيابهما ليست نظيفة وشعرهما ليسا مغطييْن بالجِّلّ. لن يكتب عنهم أحد من كُتابنا المشغولين بالنظريّات النقديّة ومدارس الكتابة والألغاز والطلاسم التي لا يفهمها غيرهما. كُتابنا مشغولون بالقضايا الكبيرة جدًا، بالحزن الجمعيّ، لأنّ حزن إنسان واحد لا يكفي لتعبئة الورق أو الضمائر.

ليغفر لنا كل الذين لا نملك سوى أن نكتب عنهم فقط، وإذا كتبنا فلن يحصدوا المجد ولا المال؛ لتغفر لي إيناس عبد الله، صاحبة رواية “لا ملائكة في رام الله”، لأنني شاكستها كثيرًا ولم أعثر حتى الآن على ملاك واحد.

ثمانية أمتار تحت مستوى الشارع هناك عالم بعيد عن أنظارنا بمليون متر. متر واحد تحت مستوى النافذة مسافة كافية لأسمع أجزاء القصص المكسّرة بنهاياتها الحادة، الجارحة، وصرخاتها المكتومة.


المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>