مقتطفات من الذاكرة: سمر عبد الجابر عن الذكرى 67 للنكبة

أفكّر كم كان جدّي ليفرح بذلك لو أنّه ما زال.. أفكّر أيضاً: القصّة إذًا لم تنتهِ بعد..

مقتطفات من الذاكرة: سمر عبد الجابر عن الذكرى 67 للنكبة

ba7ar 4 samar

تصوير: رنا عبد الجابر

.

|سمر عبد الجابر|

ذات صباحٍ في مدينة صور عام 2014، أشار أبي إلى بيتٍ في زاوية الطريق وقال: هنا كان بيتنا.. أبي، الذي غادر وعائلته مدينة صور إلى قريةٍ في جبل لبنان في أواخر السبعينات، يتحدّث عن أيّامه في صور بحنينٍ يشبه ذاك الّذي كنت أسمعه في صوت جدّي حين كان يتكلّم عن حيفا.

حين اقتربنا من الشاطئ في صور، روى لي أبي كيف كان يغادر البيت في الصباح الباكر مع كتبه متّجهًا إلى هناك ليدرس وهو يجوب الشاطئ ذهابًا وإيابًا. جعلني ذلك أفكّر باحتمالات حياةٍ بديلةٍ كان من الممكن أن أعيشها في صور، لو لم يغادر أبي وعائلته المدينة.. أنا الّتي أمضيت طفولتي في قريةٍ جبليّةٍ بعيدةٍ عن البحر.

في عام 2004، على مسرح الأونيسكو، كان محمود درويش يلقي المقطع الأخير من الجداريّة. وكنت أنصت إلى صوته يعلو ويهبط مع إيقاع القصيدة بذهولٍ تام، كما لو عدت طفلةً مأخوذةً ببراعة ساحرٍ على مسرح المدرسة.

دخلت معرض الكتاب في بيروت وأنا أشعر بفراغٍ هائل. كان ذلك المعرض الأوّل بعد موت محمود درويش. لم يكن درويش حاضراً في المعرض في كلّ الأعوام قبل ذلك، لكن احتماليّة حضوره كانت وحدها كافية لكي يكون المعرض حدثاً هامّاً بالنسبة لي. ما زلت حتّى اليوم، وقد مضى سبع سنواتٍ على رحيله، ما زلت أشعر بذاك الفراغ.

كنت في السادسة من عمري حين لاحظت أنّ لهجتي تختلف عن لهجة زملائي في المدرسة.. يومها عدت إلى البيت وسألت أمّي وأبي عن ذلك. واكتشفت، للمرّة الأولى، أنّي فلسطينيّة.

كان جدّي قد أخبرني مراراً قصّة سفره إلى مسقط في السبعينات بهدف العمل، وكيف أنّه لم يحتمل حرارة الصّحراء القاسية فعاد بعد شهريْن إلى لبنان. وأخبرني أنّه تذوّق السّمك العُمانيّ في مسقط، وهو “أطيب سمك”، بحسب قوله.. طلب منّي مرّة أن أحضر له سمكاً من هناك، وقد فعلت ذلك خلال زياراتي الأخيرة للبنان قبل موته.

عام 2012، سافرت من مسقط، حيث كنت أعمل، إلى لبنان لأمضي إجازة عيد الأضحى مع العائلة. كانت تلك المرّة الأولى الّتي سأزور فيها بيت جدّي بعد موته، وكان ذلك سيكون العيد الأوّل من دونه.

عبر نافذة الطائرة، نظرت إلى بحر مسقط وبدا فارغاً من الحياة..

في الفيديو، المسجّل ضمن سلسلة التاريخ الشفوى الفلسطيني، يتحدّث جدّي عن حيفا،عن الانتداب البريطاني، عن الاحتلال وعن أيّام نزوحه إلى مدينة صور.. يبدو عفويًّا: يروي قصصاً كثيرة، يضحك حينًا، يعبس حينًا آخر، ويشتم أحيانًا كثيرة. يحكي التفاصيل كما لو كان يعيشها مجدّدًا.. يذكر أسامي الأشخاص والأماكن بدقّةٍ تجعلك تشكّ أنّ أكثر من ستّين عاماً مضت على تلك الوقائع.

عبر “سكايب” في محادثةٍ بين دبي، حيث أعمل الآن، وكندا، حيث يقطن أخي، أسأل ابنته: ما هي عاصمة فلسطين؟.. ليا، ذات الثلاث سنوات، ترسل قبضة يدها إلى الأعلى وتقول بصوتٍ عالٍ: القدس.

أفكّر كم كان جدّي ليفرح بذلك لو أنّه ما زال..

أفكّر أيضاً: القصّة إذًا لم تنتهِ بعد..

(شاعرة فلسطينيّة)

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>