معجزة العيد/ شيخة حليوى

< |شيخة حليوى| ثالث أيّام العيد. انتهت الزيارات الوا […]

معجزة العيد/ شيخة حليوى

ملصق فيلم "أولاد مُعجزة"

<

|شيخة حليوى|

شيخة حليوى

ثالث أيّام العيد.

انتهت الزيارات الواجبة وغير الواجبة، واستوفت الملابس الجديدة بهجتها. عدنا للبحث عن نشاط “عيديّ” نختتم فيه العيد، بحيث ينفي عنّا تهمة التقصير في واجب الأمومة والأبوة حتّى انقضاء العيد.

التنزّه في شوارع يافا وشاطئها لم يكن واردا، فأيُّ ترفيه لا يخرج من حدود يافا شأنه كشأن الجلوس في شرفة المنزل. لم يبقَ أمامنا إلا السينما، وسيلة الترفيه الأحبّ إلى أولادي -كانت وما زالت- وقد تعلّمتُ خلال سنوات أمومتي الطويلة أن كثيرا من أفلام الأطفال والمراهقين الأجنبيّة فيها كثيرٌ من المتعة والتسلية بالإضافة إلى احترام عقل المتلقّي أكثر بكثير من الأفلام العربيّة الموجّهة إلى الأطفال.

في الطريق لسينما “ديزنجوف” في تل أبيب أربكتنا زحمة شديدة تسبّبت في تأخرنا عن الفيلم الذي كنّا قد قرّرنا مشاهدته، وحسمت الاختيار على نحو فيه رمزيّة غريبة. بدا المشهد في دوّار الساعة ذلك المساء مربكًا هو الآخر. المئات من “المُعيّدين” العائدين، عشرات الحافلات على جانبي الشارع، وجوهٌ تنطق بالفرح والألفة، بدا المكانُ مألوفا بهم ولهم…

“شايفة؟ العرب احتلّوا يافا”، قالها ابني في محاولة منه لإثبات عكس ما أردّده دائما حينما نتجوّل في شوارع يافا وأزقّتها: “اليهود غزوا يافا واحتلّوها”.

كان من السهل ملاحظة اختفاء اليهود عن المشهد المسائيّ، أمّا من تبقّى منهم ممّن لم يتوقّعوا هذا العدد الهائل من “العرب” فقد كانوا يتفحّصون المكان بدهشة يشوبها بعض القلق رغم الوجود المكثّف وغير الاعتيادي لدوريات الشرطة والقوّات الخاصّة.

وصلنا -زوجي ابني وأنا- إلى السّينما في “ديزنجوف سنتر”، ودخلنا مباشرة إلى فيلم “أولاد مُعجزة”. لم أكن أعرف شيئا عن الفيلم وجاء الاختيار وليد اللحظة، كما أنّ وجه الطفلة التي تطلُّ من إعلان الفيلم نجح إلى حدّ بعيد في جذبنا إليه. جمهور المشاهدين في قاعة العرض لم يتجاوز العشرين، من بينهم ثلاثة من العرب: نحنُ. كانت أحداث الفيلم تدور في أوكرانيا قبيل الحرب العالميّة الثانية حول علاقة تربط بين ثلاثة أطفال موهوبين في الموسيقى، طفليْن يهوديين وطفلة ألمانيّة، جمعهم حبّهم للموسيقى في صداقة جميلة وبريئة، تتعرّض هذه العلاقة فيما بعد إلى عدّة اختبارات مؤثّرة. تتطوّر الأحداث في ظلّ دخول الألمان إلى المنطقة ومطاردة المحليين بمن فيهم اليهود. الصمتُ في القاعة كان مطبقا، لا تقطعه سوى تنهدات الألم والآهات تلي كلّ جملة أو عبارة أو موقف يتعرّض فيه اليهود إلى إهانة أو تمييز عنصريّ.

توالت أسئلة ابني في الفيلم: “ليش هيك بيقولوا عنهم لليهود؟ ليش هيك ضربوه للولد اليهوديّ؟”

أجبتُ بهمس إجابات مقتضبة، ولكنّها كانت كافية كي تدلّل على وجودنا المستهجن بينهم. فما أن أضيئت القاعة حتّى كانت النظرات مصوّبة نحونا.

حينما خرجنا من السّينما كان عليّ كالعادة أنْ أصحّحَ لابني بعض المعلومات كي لا يصبح ضحية الإعلام المروّج لهم، وأن أجيب عن أسئلته بدقّة أكثر. فذكّرته بالعنصريّة والتضييق اللذين نتعرّض لهما يوميّا، والعنف الذي يتعرّض له شبابنا من الشرطة وجماعات يهوديّة متطرّفة. أحلتُ معظم المواقف في الفيلم على حياتنا. تضجّر منْ إقحام السياسة يوم العيد “كمان بالعيد بنحكي بالسياسة؟”

في السيّارة كان المذيع ينقل خبر تعرّض شاب مقدسيّ لهجوم إرهابيّ عنصريّ شرس من شبان يهود. تنهّدتُ بصوتٍ عالٍ قطع صمت السيارة.

في اليوم التالي قال ابني: “كان الفيلم حلو… بس لو رحنا على فيلم “شُجاعة” كان أحسن.. فش فيو سياسة”. سألته عن فكرة الفيلم فقال:

“بنت شُجاعة بتتحدّى…”

قاطعتهُ: “وهاد فش فيو سياسة؟ كلّه سياسة!”

المحرر(ة): علاء حليحل

شارك(ي)

أرسل(ي) تعقيبًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>